يُعدّ الاعتقال الاحتياطي من أبرز التدابير الاحترازية التي تثير اهتمام المشرّع المغربي، لما ينطوي عليه من مساس مباشر بالحرية الشخصية، التي تُعد من الحقوق الأساسية المكفولة دستوريًا وقانونيًا. وقد شكّل تنظيم هذا التدبير الاستثنائي محورًا أساسيًا ضمن مسلسل التحديث التشريعي الذي عرفه المغرب، لا سيما في إطار الإصلاحات التي همّت قانون المسطرة الجنائية بموجب القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميمه، والذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 8 دجنبر 2025.
ويأتي هذا الإصلاح في سياق عام يتسم بتحولات عميقة في السياسة الجنائية المغربية، تروم ترشيد اللجوء إلى تدابير الحرمان من الحرية، والحد من التوسع في الاعتقال الاحتياطي، بما ينسجم مع مبدأ قرينة البراءة، ويحقق التوازن بين متطلبات حماية النظام العام وضمان الحقوق والحريات الفردية. وقد استلهم المشرّع في هذا التحديث التوجيهات الدستورية، والتطلعات الوطنية نحو عدالة جنائية أكثر فعالية وإنصافًا، فضلًا عن الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان.
وقد انصبت مستجدات هذا الإصلاح على تعزيز دور الهيئة القضائية في مراقبة مدى مشروعية وجدوى استمرار الاعتقال الاحتياطي، وتقليص آجال البت في الطعون المرتبطة به، إلى جانب تكريس ضمانات إجرائية أوضح لحماية حرية المتهم، والتأكيد على الطابع الاستثنائي لهذا التدبير. ويبرز في هذا الإطار ما ورد في المواد 299 و181 و181-1 من قانون المسطرة الجنائية، بما من شأنه إرساء مقاربة متوازنة تجمع بين الاجتهاد القضائي وحماية حقوق الدفاع، وتنسجم مع المعايير الدولية ذات الصلة.
وتكتسي هذه المستجدات أهمية بالغة، سواء على المستوى النظري أو العملي، بالنظر إلى ما تعكسه من وعي تشريعي بخصوصية الاعتقال الاحتياطي كآلية قانونية ذات آثار مباشرة على حياة الأفراد، الأمر الذي يستدعي إحاطته بضمانات مشددة تحول دون اللجوء إليه بغير مبرر أو استعماله بشكل تعسفي.
وفي إطار هذه الدراسة، يتم التطرق إلى مجموعة من المحاور المترابطة المرتبطة بإشكالية تقييد الحرية الفردية في المسطرة الجنائية المغربية وضمانات حمايتها. حيث يتم، أولًا، تناول الحراسة النظرية باعتبارها تدبيرًا استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا وفق شروط وضوابط دقيقة تفرضها ضرورة البحث وحماية النظام العام. ثم يتم، ثانيًا، الوقوف عند الاعتقال الاحتياطي بوصفه إجراءً استثنائيًا بدوره، من خلال إبراز التوازن الذي سعى المشرّع إلى تحقيقه بين متطلبات الأمن وقرينة البراءة عبر إصلاح الضوابط القانونية المنظمة له. كما تتناول الدراسة، ثالثًا، آثار استئناف قرار قاضي التحقيق القاضي بإحالة المتهم على المحكمة في حالة سراح، وما يثيره ذلك من إشكالات عملية وقانونية مرتبطة بمركز المتهم وضمانات حريته. وتُختتم الدراسة، رابعًا، بتسليط الضوء على دور الهيئة القضائية في مراقبة شرعية الاعتقال الاحتياطي، باعتبار هذه المراقبة آلية أساسية لحماية الحقوق والحريات الفردية وترسيخ مبدأ المشروعية وسيادة القانون داخل منظومة العدالة الجنائية.
المحور الأول: الحراسة النظرية كتدبير استثنائي في قانون المسطرة الجنائية المغربي :
كان يثور خلاف، في ظل قانون المسطرة الجنائية قبل تعديله، بخصوص كيفية احتساب مدة الحراسة النظرية في بعض الحالات، ولا سيما عندما يتم إيقاف المشتبه فيه خارج الدائرة القضائية التي يعمل في نطاقها ضابط الشرطة القضائية، أو عندما تستدعي حالته الصحية إخضاعه للعلاج.
وقد انصبّ هذا الخلاف حول ما إذا كانت مدة النقل، وكذا مدة العلاج أو الإيداع بالمؤسسات الصحية، تُحتسب ضمن مدة الحراسة النظرية، وهو ما أفرز إشكالات عملية متكررة، حيث كان يُثار أمام الهيئات القضائية الدفع ببطلان محاضر الشرطة القضائية بدعوى تجاوز المدة القانونية للحراسة النظرية، نتيجة عدم احتساب مدد النقل أو العلاج ضمنها.
وقد تدخّل المشرّع لوضع حدّ لهذا الإشكال، حيث نصّت الفقرة الثانية من المادة 66 من القانون رقم 03.23 على أنه لا تُحتسب ضمن مدة الحراسة النظرية المدة اللازمة لنقل الشخص المشتبه فيه إذا تم إيقافه خارج الدائرة القضائية التي يعمل بها ضابط الشرطة القضائية الذي أمر بوضعه تحت الحراسة النظرية، على أن تُخصم هذه المدة من مدة تنفيذ العقوبة في حالة الحكم عليه بعقوبة سالبة للحرية. كما يسري الحكم نفسه على المشتبه فيه الذي يخضع للعلاج، ولو كان تحت المراقبة الأمنية، وفقًا لما نصّت عليه الفقرة الرابعة من المادة ذاتها.
ومن أهم الضمانات القانونية المقررة لفائدة المشتبه فيه، أن المشرّع المغربي اعتبر الحراسة النظرية، بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 66، تدبيرًا استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة، ولأسباب محددة تتمثل في الحفاظ على الأدلة ومنع تغيير معالم الجريمة، أو إنجاز الأبحاث والتحريات التي تستلزم حضور المشتبه فيه، أو وضعه رهن إشارة العدالة والحيلولة دون فراره، أو منع ممارسة أي ضغط على الشهود أو الضحايا أو ذويهم، أو الحيلولة دون تواطئه مع المساهمين أو المشاركين في الجريمة، أو وضع حدّ للاضطراب الذي أحدثه الفعل بالنظر إلى خطورته أو ظروف ارتكابه أو الوسيلة المستعملة فيه أو جسامة الضرر الناتج عنه، أو بالنظر إلى خطورة المشتبه فيه.
ويُستفاد من ذلك أن اشتراط توفر هذه الأسباب للجوء إلى الحراسة النظرية يندرج في إطار تعزيز الضمانات القانونية للمشتبه فيه، نظرًا لارتباط هذا التدبير بالحرية الشخصية، واعتباره إجراءً استثنائيًا لا يُصار إليه إلا عند الضرورة القصوى.
المحور الثاني: الاعتقال الاحتياطي بين الطابع الاستثنائي وإصلاح الضوابط القانونية المنظمة له :
جاء القانون رقم 03.23، الذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 8 دجنبر 2025، ليؤسس لإطار قانوني أكثر صرامة وانضباطًا في تدبير الاعتقال الاحتياطي، بهدف الحد من الإفراط في اللجوء إليه، انسجامًا مع مبدأ قرينة البراءة، ومع الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حماية الحقوق والحريات الأساسية.
وفي هذا السياق، قدّمت المادة 618 من قانون المسطرة الجنائية المعدل، في فقرتها الثانية، تصورًا مستحدثًا لمفهوم “المعتقل احتياطيًا”، حيث اعتبرت في عداد المعتقلين احتياطيًا كل متهم يوجد في مرحلة التحقيق أو المحاكمة دون صدور حكم أو قرار قضائي يقضي بإدانته. ويعكس هذا التوجه حرص المشرّع على تكريس الطابع الاستثنائي للاعتقال الاحتياطي، والتنبيه إلى خطورته باعتباره مساسًا بالحرية الشخصية قبل ثبوت المسؤولية الجنائية.
وفي الاتجاه ذاته، أكدت المادة 175 من قانون المسطرة الجنائية الطبيعة الاستثنائية للاعتقال الاحتياطي، من خلال تقييد اللجوء إليه بحالات الجنايات أو الجنح التي تكون العقوبة المقررة لها سالبة للحرية، مع اشتراط تعذر اعتماد بديل آخر أقل مساسًا بحرية المتهم. كما ألزمت الجهة القضائية المختصة بتعليل قرارها تعليلًا كتابيًا مفصلًا يبرز الأسباب الواقعية والقانونية التي تبرر اللجوء إلى هذا التدبير.
وقد حصرت المادة 175-1 الأسباب القانونية التي تبرر إصدار أمر بالاعتقال الاحتياطي، بما يقطع مع أي استعمال تقديري غير منضبط لهذا الإجراء. كما خوّلت المادة 175-2 إمكانية إصدار أمر بالاعتقال الاحتياطي في مختلف مراحل التحقيق، حتى في الحالات التي يكون فيها المتهم خاضعًا لتدبير المراقبة القضائية، شريطة قيام أحد الأسباب القانونية الموجبة لذلك، مع إلزام القاضي بإشعار كل من المتهم والنيابة العامة فورًا، تكريسًا لمبدأ الشفافية وضمانًا لحقوق الدفاع.
أما بخصوص مدد الاعتقال الاحتياطي، فقد وضعت المادة 176 ضوابط دقيقة في مادة الجنح، حيث حددت مدة أصلية يمكن تمديدها مرة واحدة ولمدة مماثلة، شريطة تعليل قرار التمديد وبيان مبرراته، سواء تعلّق الأمر باستكمال إجراءات التحقيق أو باستمرار الأسباب التي أملت اللجوء إلى الاعتقال منذ البداية. وفي المقابل، نظمت المادة 177 الاعتقال الاحتياطي في مادة الجنايات، حيث سمحت بالتمديد مرتين للمدة الأصلية، مع رفع عدد التمديدات إلى خمس بالنسبة للجرائم المرتبطة بالإرهاب أو الماسة بأمن الدولة، بالنظر إلى خطورتها وتعقيد مساطر البحث والتحقيق فيها.
وفي جميع الحالات، شدّد المشرّع على ضرورة التعليل القضائي الدقيق لكل قرار بالتمديد، مع بيان الأسس القانونية والوقائع التي تبرره، تكريسًا للتوازن بين متطلبات الأمن القضائي وضمانات حماية المتهم من أي تعسف محتمل في تقييد حريته.
ويُستفاد من مجموع هذه المقتضيات أن المشرّع اتجه نحو تطويق الاعتقال الاحتياطي بسلسلة من الضمانات الصارمة، إدراكًا لما يترتب عنه من آثار قد تقترب، في بعض الحالات، من العقوبة المقنّعة قبل صدور حكم نهائي. كما يهدف هذا التوجه إلى تسريع وتيرة البحث والتحقيق والمحاكمة، والحد من ظاهرة الاكتظاظ السجني الناتج عن التوسع في الاعتقال الاحتياطي، بما يحقق التوازن المنشود بين حماية النظام العام وصون الحرية الفردية باعتبارها حقًا دستوريًا أصيلًا.
المحور الثالث: آثار استئناف قرار قاضي التحقيق القاضي بإحالة المتهم في حالة سراح :
تنص المادة 217 من قانون المسطرة الجنائية على أن قاضي التحقيق يبتّ في وضعية الاعتقال الاحتياطي، ويأمر، عند الاقتضاء، بالوضع تحت المراقبة القضائية، كما يقرر بشأن مدى استمرار الأمر بإلقاء القبض الصادر في حق المتهم. وبالرجوع إلى المادة 222 من القانون ذاته، ولا سيما فقرتها الثالثة، يتضح أنها تقضي ببقاء المتهم معتقلًا في حالة استئناف أمر الإفراج المؤقت إلى حين انصرام أجل الاستئناف، ما لم توافق النيابة العامة على الإفراج عنه فورًا.
وقد أثار تطبيق هذه المقتضيات نقاشًا فقهيًا وقضائيًا، خاصة في الحالة التي يُصدر فيها قاضي التحقيق قرارًا بإحالة المتهم، الذي كان معتقلًا خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، على المحكمة في حالة سراح. ويتمحور هذا النقاش حول مدى تأثير استئناف النيابة العامة لهذا القرار، وما إذا كان يترتب عنه وقف تنفيذ الإفراج أم لا، لاسيما في ظل غياب نص صريح يعالج هذه الوضعية بشكل مباشر.
ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا إذا ما استُحضر أن المادة 222 تتعلق صراحة بالإفراج المؤقت، في حين أن القرار الصادر عن قاضي التحقيق بإحالة المتهم في حالة سراح يُعد قرارًا نهائيًا في شأن وضعية الاعتقال الاحتياطي، وليس مجرد إفراج مؤقت بالمعنى الإجرائي الضيق.
وانطلاقًا من هذا التمييز، نذهب إلى أن استئناف النيابة العامة لقرار قاضي التحقيق القاضي بمتابعة المتهم في حالة سراح لا ينبغي أن يترتب عنه وقف تنفيذ الإفراج، تأسيسًا على الاعتبارات التالية:
أولًا: إن الأمر لا يتعلق بإفراج مؤقت وفقًا للمواد 178 وما يليها من قانون المسطرة الجنائية، وإنما بقرار نهائي صادر عن قاضي التحقيق في إطار البت في وضعية الاعتقال الاحتياطي.
ثانيًا: إن البت في وضعية الاعتقال الاحتياطي، كما نظمه المشرّع في المادة 217، يختلف من حيث الطبيعة القانونية والآثار عن نظام الإفراج المؤقت، الذي يخضع لشروط وإجراءات خاصة، من بينها إلزامية استشارة النيابة العامة.
ثالثًا: إن المشرّع، حينما أراد ترتيب أثر موقف للاستئناف، نصّ عليه صراحة، كما هو الشأن بالنسبة للأمر بإلقاء القبض، حيث أكد في الفقرة السادسة من المادة 217 استمرار سريان هذا الأمر رغم الطعن فيه.
وبناءً عليه، فإن القول بوقف تنفيذ الإفراج في هذه الحالة يفتقر إلى أساس قانوني صريح، ويمسّ بحرية المتهم دون سند تشريعي واضح، وهو ما يتعارض مع مبدأ الشرعية وحماية الحقوق الأساسية.
المحور الرابع: مراقبة مدى شرعية الاعتقال من طرف الهيئة القضائية :
خوّلت المادة 299 من قانون المسطرة الجنائية للهيئة القضائية صلاحية البت في مدى استمرارية الاعتقال الاحتياطي، سواء تلقائيًا أو بناءً على طلب، كما جعلت المقرر الصادر في هذا الشأن قابلًا للطعن بالاستئناف وفقًا للكيفيات المنصوص عليها في المادتين 181 و181-1 من القانون نفسه.
ويُعد هذا المقتضى التشريعي من أهم المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23، إذ لم يكتف بمنح الهيئة القضائية سلطة مراقبة الاعتقال الاحتياطي، بل ألزمها صراحة بالقيام بهذه المراقبة، تكريسًا للطابع الاستثنائي لهذا التدبير، وتعزيزًا للضمانات القضائية المخولة للمتهم.
وتتجلى أهمية هذا الدور الرقابي كذلك في جعل المقرر الصادر بشأن الاعتقال الاحتياطي قابلًا للطعن بالاستئناف، مع إحاطته بضمانات إجرائية دقيقة، من بينها تقليص آجال الطعن، حيث حُدد أجل الاستئناف إلى غاية اليوم الموالي لتاريخ صدور المقرر، مع إلزام النيابة العامة بإحالة الطعن داخل أجل أربع وعشرين ساعة، وإلزام الغرفة المختصة بالبت فيه داخل أجل ثمانٍ وأربعين ساعة من تاريخ عرض الملف عليها.
كما أكد المشرّع على أن الطعن بالاستئناف لا يترتب عنه أثر موقف للإفراج عن المتهم، باستثناء القضايا المتعلقة بأمن الدولة وقضايا الإرهاب، بما يعكس سعيه إلى تحقيق توازن دقيق بين ضمان الحرية الفردية ومتطلبات حماية النظام العام.
-الكاتب العام لنادي قضاة المغرب