قراءة أدبية ووجدانية في : “العزف المنفرد في ساحة المدرسة”

حميد طولست 

إن القصة الرائعة التي نسجها نجيب الرحاني قصة والتي تحمل عنوانًا خفيًا بين السطور ، ليست مجرد حكاية من الطفولة، بل هي قطعة أدبية نابضة بالحياة، تستعيد لحظة صغيرة لكنها حاسمة في تشكيل الذات، وتقدّمها للقارئ كمرآة يتأمل فيها معاني التفرد، وسوء الفهم، ودهشة الاكتشاف.
1. المشهد الافتتاحي: وحدةٌ وسط الزحام
الطفل الصامت في ساحة تضج بالحركة ليس شخصية من ورق، بل هو كائن حقيقي نحمله جميعًا في داخلنا: ذاك الذي يشعر بالغربة حتى وهو بين الأقران. يصف نجيب الرحاني هذا المشهد بدقة سينمائية، بلغة بصرية وعاطفية تُشبه كثيرًا ما يسمّى في الأدب بـ”الواقعية الشعرية”، حيث الظلال تتمايل، والصوت الداخلي للطفل يعلو على الضجيج الخارجي.
2. المدير الزروالي: العين التي ترى خلف الصمت
السيد أحمد الزروالي لا يُرسم هنا كسلطة جامدة، بل كسلطة رحيمة تخفي قلبًا يفهم الأطفال. هو العين التي تلتقط الاختلاف، لا لتعاقبه بل لتفهمه. وسؤاله المباشر للطفل لا يأتي من توجس، بل من فضول عادل، من رغبة في الفهم لا التفتيش.
3. الحوار في البيت: الأب والخوف من المجهول
نقل الحدث إلى البيت يصنع تصعيدًا دراميًا ناجحًا. الخوف الذي يتسرب إلى الأب، والصوت الذي يرتفع لا لأن الطفل مذنب، بل لأن سمعة العائلة على المحك، يكشف عن بنية اجتماعية وثقافية مغربية مألوفة: الأب الذي يهاب “المؤسسة”، والأم التي تتدخل بحكمة إناث الزمن المغربي العميق، تلك التي تفكك التوتر بهدوء يعلو على الصراخ.
4. اللقاء في الجُّنَينة: حيث الحقيقة تنكشف
هنا تنتقل القصة إلى مداها الجمالي والرمزي: لقاء المدير مع عالم الطفل الحقيقي. فالساحة لم تكن يومًا ملعبه، بل كانت القفص. أما الجنينة، والأسوار المرينية، وأعشاش الحمام، فهي مداره الطبيعي. وصف الصعود على الجدار جاء بلغة مدهشة، فيها من الإيقاع ما يجعل القارئ يكاد يسمع أنفاس الصبي وهو يتسلق، ويحسّ بملمس الحجارة، ويشمّ رائحة الجدران العتيقة.
5. الهبة: فراخ الحمام
اللحظة الحاسمة كانت في تسليم فراخي الحمام: ليست هدية فحسب، بل شهادة هوية، إثبات مهارة، ودليل وجود. هي صرخة غير منطوقة تقول: “أنا لست وحيدًا، أنا فقط مختلف”. والمدير الذي أمسك بالفرخين شعر بنبض الحياة، وربما بصدمة الإدراك: أن المدرسة – رغم عظمتها – لا تحتوي دائمًا كل طاقات الصغار.
6. الخاتمة: طفل بروح أكبر من زمانه
الختام يرفع “الريحاني”القصة من مجرد واقعة شخصية إلى تأمل وجودي: بعض الأطفال، كما يقول ، “تُخلق أرواحهم في زمن غير زمانهم”. وهذه الجملة الأخيرة وحدها يمكن أن تُعلّق على جدار كل فصل دراسي، وكل بيت، وكل وزارة تعليم.

بين الخيال والواقع:
رغم أن النص لا يضم كلمة “خيال”، فهو يُعاش كحقيقة، لأنه مكتوب من ذاكرة صادقة، ناضجة، تُجيد التمييز بين “الواقعة” و”معناها”. فالطفل هنا ليس عمرًا فقط، بل هو رمز. والمدير ليس الزروالي فقط، بل هو كل من وقف يومًا يحاول أن يفهم صمتًا لا يُفصح عن نفسه بسهولة.

ملاحظات ختامية:
• القصة تستحق أن تُدرّس في مدارس تكوين المعلمين كمثال عن “كيف نرى ما خلف السلوك”.
• فيها دعوة ضمنية لأن تُراجع المدرسة دورها: هل ترى الموهبة فقط حين تُرفع اليد للإجابة؟ أم تراها حين يتسلق طفل جدارًا ليس في المنهاج؟
• عنوان القصة البديل الذي قد يُقترح لها: “الطفل الذي لم تُخلَق روحه لساحة المدرسة، بل لسقوف السماء.”
تحية لهذا النص الإنساني، الذي لا يروينا فقط بحنين الطفولة، بل يعيد تشكيل وعينا تجاه المختلف، الموهوب، والمتفرد ، وشكرا للمبدع الفاسجديدي الأستاذ الريحاني…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *