قراءة في مقال لصديقي الصحفي والناقد الفني سعيد العفاسي المعنون “مقامة النخيلي في رثاء الثقافة بفاس

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

بين صمت الجماعة وخفوت الإحساس” الذي يطرح قضية تراجع الثقافة والفن في فاس بشكل رمزي وبلاغي عميق، بأسلوب أدبي-نقديً غني، يجمع بين الأسلوب المقامي التراثي والخطاب النقدي المعاصر،أغواني بالمغامرة في
تحليله تحليلا شاملًا من عدة زوايا:
أولًا: طبيعة النص — مقامة نقدية حديثة
النص ينتمي بوضوح إلى فن المقامات المستوحى من تراث:
بديع الزمان الهمذاني
الحريري البصري
ويتجلى ذلك من خلال:
الراوي الشاهد
الحوار الرمزي
اللغة البلاغية المكثفة
توظيف السجع والازدواج
النهاية العِبرية
لكن الكاتب لا يكتب مقامة تقليدية، بل مقامة احتجاجية معاصرة تدين الواقع الثقافي.
وهذا ما يجعل النص:
أدبيًا في الشكل
سياسيًا في المضمون
ثقافيًا في الرسالة
ثانيًا: الفكرة المركزية للمقال
الفكرة الأساسية للنص هي:
رثاء الثقافة في فاس بسبب الإهمال المؤسساتي وغياب الرؤية الثقافية.
وقد بنى الكاتب هذه الفكرة على ثلاثة محاور:
1. فاس: منارة تاريخية للفن والعلم
يستحضر الكاتب مجد فاس:
مدينة العلماء
مهد الفنون
ملتقى الحضارات
وهذا ليس مبالغة، ففاس تاريخيًا تضم:
جامعة القرويين
مدارس علمية عريقة
تراث موسيقي ومسرحي أصيل
الكاتب يقارن بين:
فاس التاريخ
فاس الواقع الحالي
وهنا يتولد الإحساس بالمأساة.
2. إغلاق المركب الثقافي: رمز الانهيار
يستعمل الكاتب إغلاق المركب الثقافي كرمز قوي:
“كأنما أُوصد باب العقل وأُحكمت أقفال الروح”
وهذا تصوير بليغ جدًا لأن:
المركب الثقافي = الفضاء الثقافي
إغلاقه = إغلاق الحياة الثقافية
وهنا يتحول الحدث الإداري إلى مأساة حضارية.
3. الفنان جواد النخيلي: رمز المثقف المحتج
جعل الكاتب الفنان جواد النخيلي شخصية محورية
لكنه لم يقدمه كشخص فقط بل كرمز:
رمز الفنان المهمش
رمز المثقف المقاوم
رمز الضمير الثقافي
خصوصًا عندما كتب:
“جماعة فاس أعدمت الثقافة وأقبرت الفنان”
هذه العبارة تشكل:
ذروة المقال
مركز الصدمة
قلب المقامة
ثالثًا: جماليات الأسلوب الأدبي
النص يتميز ببلاغة عالية جدًا، من أبرز عناصرها:
1. السجع المقامي
مثل:
“تهتز لها الضمائر، وتضيق بها الصدور”
“نبكي على آفاق سدت، وعلى أجيال يخشى عليها”
هذا يعطي النص:
إيقاعًا أدبيًا
قوة خطابية
عمقًا شعوريًا
2. الصور البلاغية القوية
من أجمل الصور:
“انطفأت مصابيح الإبداع”
“غُيّبت شموس الفن”
“اليتم الثقافي”
“العنقاء من الرماد”
هذه الصور تجعل النص:
مؤثرًا
دراميًا
حيًا
3. الأسئلة الاستنكارية
الكاتب يكثر من:
“أيعقل…؟”
وهذا أسلوب:
احتجاجي
تصادمي
تحفيزي
وهو أسلوب قوي في المقالات النقدية.
رابعًا: البعد السياسي غير المباشر
المقال ينتقد بشكل غير مباشر:
التدبير الجماعي
غياب الرؤية الثقافية
تهميش الفنان
ويذكر بشكل واضح:
رئيس الجماعة:
عبد السلام البقالي
لكن دون هجوم مباشر، بل بأسلوب أدبي راقٍ.
وهذا يحسب للكاتب لأنه:
ينتقد دون إساءة
يفضح دون تشهير
يكتب بجرأة مسؤولة
خامسًا: الرسائل العميقة في المقال
المقال يحمل عدة رسائل مهمة:
1. الثقافة ليست ترفًا
وهذه من أقوى العبارات:
“الفن ليس ترفًا… الثقافة ضرورة كالماء والهواء”
وهذه فكرة حضارية عميقة.
2. موت الثقافة = موت المجتمع
الكاتب يقول بوضوح:
“إذا ماتت الثقافة ماتت معها الروح”
وهذا طرح فلسفي قوي.
3. الفنان صوت المجتمع
النخيلي في النص يمثل:
الضمير
الاحتجاج السلمي
المثقف المقاوم
سادسًا: قوة خاتمة المقال
الخاتمة من أقوى ما في النص:
“هنا كانت مدينة اسمها فاس… وهنا كان للفن نفس… ثم انقطع”
خاتمة:
مؤثرة
حزينة
تحذيرية
وهي خاتمة مقامة بامتياز.
سابعًا: نقاط القوة في المقال
✔ لغة أدبية عالية
✔ فكرة واضحة ومؤثرة
✔ رمزية ذكية
✔ نقد سياسي راقٍ
✔ بناء مقامي متماسك
✔ تصوير بلاغي قوي
ثامنًا: ملاحظات نقدية (موضوعية)
رغم قوة النص، يمكن تسجيل:
الإطالة البلاغية أحيانًا
كثافة الأسلوب قد تصعب القراءة على القارئ العادي
غياب أرقام أو معطيات واقعية تدعم الطرح
لكن هذه ليست عيوبًا بقدر ما هي:
اختيار أسلوبي أدبي مقصود
خلاصة التحليل
مقال سعيد العفاسي هو:
مقامة أدبية حديثة
بيان ثقافي احتجاجي
رثاء حضاري لمدينة فاس
دفاع عن الفن والمسرح
وهو نص يجمع بين:
الأدب + النقد + السياسة + التاريخ
ويُعد من النصوص الثقافية الرفيعة التي تعكس:
حسًا نقديًا ووعيًا ثقافيًا وغيرة على مدينة فاس..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *