حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي
يبدو أن السيد خالد آيت الطالب، والي جلالة الملك على جهة فاس–مكناس، قرّر — دون ضجيج، ودون إشهار السيوف ولا قرع الطبول — أن يضع مكتب مجلس جماعة فاس تحت مجهر ربط المسؤولية بالمحاسبة، ذاك المبدأ الدستوري الذي ظلّ، لسنوات، حبيس الخطب والبلاغات، قبل أن يتحوّل اليوم إلى إجراء حيّ يثير الرعب في صفوف من اعتادوا أن يسيروا في المدينة كما يسير “مالين الباش” وسط الولائم: شهية مفتوحة، وصمت مطبق.
إجراءات الوالي ليست “انتقامًا” كما تصرخ أفواه تعوّدت على العيش من عرق المال العام، بل هي أقرب ما تكون إلى تنظيف الواجهة الزجاجية لمدينةٍ لطالما حاول البعض إخفاء شقوقها بستائر البلاغات الرسمية. فالرجل — وبكل هدوء إداري مطعّم بالصرامة — يفتح الملفات قطعةً قطعة:
الرخص، القرارات، الصفقات، استغلال الملك العمومي…
وكل ما لُفّ لعقود بالغموض والمحاباة و”السكوت الممنهج” الذي هو فضيحة في حد ذاته.
ولأن الرائحة فاحت أكثر مما ينبغي، أصدر الوالي تعليماته إلى مسؤولي المناطق الحضرية:
لا تساهل، لا تواطؤ، ولا مجال بعد اليوم لـ”زريعة تُرمى تحت الطاولة”.
الدلاح… والزرّيعة
ولأن ، التي لخص الشعب الحكيم بطبعه أمرها كله في عبارته البسيطة: “لي كلى الدلاح لابد يخـْـ… الزريعة”.
وحسب ما يبدو، فإن الزريعة كثيرة… كثيرة جدًا، إلى حدّ أن بعض “الفاعلين الجدد–القدامى” ممن بنوا أمجادهم على تفصيل القرارات على مقاس المصالح، يعيشون اليوم حالة ارتباك غير مسبوقة، وهم يتهامسون فيما بينهم:
“واش دلاحنا غادي يبقى عندنا… ولا غا يتحاسبونا على لحيتو؟”
وهكذا، بدأ موسم محاسبة طال انتظاره، موسم ستنكشف خلاله طرق تدبير رخص عمرت طويلاً داخل دهاليز جماعة فاس، وأساليب توقيع صفقات كانت تُقَسَّم كالغنائم بين من يعتبرون أنفسهم الورثة الشرعيين لمال المواطنين.
ولعلّ أبرز ملفاتها التي وضعت المجلس وجهاً لوجه أمام الرأي العام هو فضيحة “الاتجار” في مرفق عمومي مجاني، هو المسبح البلدي المغطى القرويين، الذي تحوّل — بقدرة قادر — إلى وعاء للريع، وجد فيه العمدة ومدير المصالح وموظفون أنفسهم في قلب العاصفة، في انتظار توضيحات رسمية طلبتها الولاية بعد الرسالة المفتوحة التي هزّت الهدوء المصطنع.
هذه الفضيحة ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من “الإبداع في استغلال المال العام” الذي أنهك ميزانية فاس، وحوّل مؤسساتها إلى واجهات لتلميع الفشل، وفتح الباب لامتيازات شاذة، تفاوض بشأنها من ما زالوا يظنون أن المناصب ملكية شخصية تُورّث لا وظائف يتم مساءلة أصحابها.
الوالي… ومعنى أن مسؤولًا
تحركات آيت الطالب المعين كمسؤول أول على مدينة فاس ليست نزوة إدارية، بل انسجام تام مع الرؤية الملكية لتخليق الحياة العامة، ومع توجيهات وزير الداخلية الواضحة التي أعلنت نهاية زمن التساهل. واعتمادا على المبدأ بسيط:
“لا أحد فوق القانون.” و”لا قرارا خارج الرقابة”
و”لا مستقبل يبنى على فساد مغطى بابتسامات المناسبات”.
السكان الذين صبروا طويلاً، ينتظرون اليوم ما هو أبعد من كشف الفضائح: ينتظرون استرجاع المدينة من أيدي من حوّلوها إلى مشروع خاص، وجعلوا الملك العمومي – بما فيها الرياضة والشباب – إلى ملفات تُدار بعقلية “منا… أوفينا”و”خرنا ما يديه غرنا”.
لكني متفائل فالعدل قادم ، لأن الليل حتى إذا طال… لكنه لا يقتل الفجر. والحق لا يموت، وإن مات أصحابه. الذين لا أحمل لم حقدًا على ،بقدر أنني لا أنسى — كمواطن من هذه المدينة —من حاول إذلالها، ولا من تعامل مع مصالحها باعتبارها صفقات مستمرة.
الذين أقول لهم جميعًا: وسيَعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.بعد أن علموا وأن السيد خالد آيت الطالب، والي الجهة، لم يأتِ كما يأتي الولاة عادة: يجلس على كرسيه، يوزّع الابتسامات وينشغل بالبرتوكول. الرجل جاء — فيما يبدو — وفي جيبه مِجهر إلكتروني عالي الدقة، لا يترك شاردة ولا واردة تمرّ من تحت الطاولة.