حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
أوعندما يكتشف إمبراطور الفساد فجأة فضيلة الجوع.
استفاق مهتمو الشأن السياسي بمدينة فاس على خبر يصلح لأن يكون مادة خاماً لكوميديا سوداء من العيار الثقيل، خبر تسرب من خلف أسوار سجن بوركايز، مفاده أن المسمى رشيد الفايق — الذي لم يعد لا رشيداً ولا “فايقاً” — قرر خوض إضراب مفتوح عن الطعام، بعد أن اكتشف، متأخراً جداً، أن الثماني سنوات التي نطق بها القضاء في حقه لم تكن سوى “سوء فهم بسيط” بينه وبين النزاهة!
الرجل الذي قضى سنوات وهو يدير جماعة أولاد الطيب بعقلية “الإمبراطور”، ويغرق العاصمة العلمية في مستنقع من الاختلالات الإدارية والمالية التي أزكمت الأنوف، بدا وكأنه استيقظ فجأة من غيبوبة طويلة ليكتشف أن القضاء لم يكن يمزح، وأن الفساد ليس مجرد وجهة نظر، وأن “النفوذ” الذي كان يلوّح به يميناً وشمالاً، لا يصلح ورقة للخروج من زنزانة حديدية.
ومن عجائب الصدف، أن الرجل الذي كان يوزع صكوك الغفران، ويهدد بالسجن من يشاء، ويمارس الابتزاز كمنهج حياة، تحوّل فجأة إلى حمل وديع، وقديس يتباكى على المظلومية، ويطالب بالإنصاف من داخل زنزانته، في مشهد يجسد ذروة الكوميديا السوداء، التي اكتشف فجأة موهبته الجديدة فيها وفي فن “الدراما التعبيرية” لكن هذه المرة ببطولة “بوز سجين”.
فإعلان الإضراب عن الطعام لم يكن مجرد خبر عابر، بل مونولوج سياسي بائس يحاول من خلاله نائب الأمس إقناع الرأي العام بأن ضميره الإنساني والنضالي استيقظ فجأة بعد سنتين كاملتين من الصمت المطبق داخل أسوار السجن. سنتان من “التأمل العميق” ربما، أو من انتظار معجزة سياسية، أو من الحنين إلى زمن كان يرى فيه نفسه فوق القانون.
لكن، لسوء حظ صاحب “المعزوفة الحزينة”، فإن التأخر في عزف هذا اللحن لا يشفع له، بل يعيد إلى الأذهان سمفونية النفوذ التي كان يتبجح بها، ويعزز السؤال المطروح اليوم: هل سقطت ورقة التوت عن آخر محاولات “اللعبة”؟
فالرجل الذي اعتاد اللعب من موقع القوة، وجد نفسه فجأة مضطراً للعب على وتر العطف، في مناورة مكشوفة تفتقر لأبسط قواعد الحبكة الدرامية المقنعة. وكأن الفايق يريد إقناع الرأي العام بأن الجوع قد يصبح بديلاً عن المحاسبة، وأن الإضراب عن الطعام قادر على غسل سنوات من القرارات التي شوهت فاس، وبددت فرص التنمية، وأغرقت جماعة أولاد الطيب في أعطاب التسيير.
وفي نهاية هذا العرض المسرحي الساخر من داخل زنزانة بوركايز، تبقى الحقيقة صلبة كقضبان السجن: الفساد ليس وعكة عابرة، والإدانة القضائية ليست سوء تفاهم، ومحاولات غسل التاريخ بماء الإضراب عن الطعام لن تغيّر الواقع شيئاً.
فكل هذه المناورات ليست سوى أحلام ليل في ردهات السجن، ومحاولة يائسة للهروب من مرآة الحقيقة التي تخبره كل صباح أن الضحية الحقيقية كانت فاس وساكنتها ، أما هو، فليس سوى فاسد نال ما اقترفت يداه.
وبدل أن يحاول لعب دور “المناضل”، ربما كان الأجدر به أن يحمد الله أن العدالة كانت — إلى حد كبير — متسامحة معه، لأن حجم ما فُوّت على فاس من فرص التنمية، وما لحق بها من أعطاب، كان يستحق عقوبات أشد، توازي مقدار الضرر الذي خلفه “إمبراطور” اكتشف متأخراً جداً أن زمن الإمبراطوريات قد انتهى.