حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن أخطر الاختراقات الأمنية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تحتاج إلى جيوش ولا دبابات ، يكفي فقط حقنة صغيرة من السرديات الغيبية، تُعطى على الريق صباحًا مع جرعة من الخطاب التعبوي، فيستيقظ الناس ليكتشفوا أن الكلمات نفسها أصيبت بعدوى غريبة.
خذوا مثلًا كلمة “التطبيع” ، هذه الكلمة المسكينة التي كانت في الأصل مجرد مصطلح سياسي يصف علاقة بين دولتين، أصبحت في قاموس بعضنا أشبه بتهمة أخلاقية كبرى ، مثل السرقة أو التزوير أو أكل آخر قطعة حلوى في الثلاجة دون استئذان.
والأعجب من ذلك أن الكلمة أصبحت تُستعمل حتى عندما يتعلق الأمر بعلاقة المغرب مع أبنائه اليهود.
وهذا أساس الكوميديا ، لأن اليهود في المغرب ليسوا وفدًا سياحيًا هبط علينا من كوكب آخر بعد اتفاق دبلوماسي طارئ ، اليهود عاشوا في المغرب قبل الإسلام بقرون، وشاركوا في تشكيل هوية هذا البلد وثقافته وأسواقه وموسيقاه وذاكرته.
وبمعنى آخر:حين يتواصل المغرب مع مليون ونصف المليون من أبنائه اليهود في العالم، فذلك ليس “تطبيعًا” بقدر ما هو صلة رحم تاريخية ربما متأخرة قليلًا ، مثل ابن عم غادر القرية منذ خمسين سنة ثم عاد يحمل معه الشوكولاتة والذكريات.
لكن بعض الجماعات السياسية عندنا لا يعجبها هذا التفسير البسيط، فبالنسبة لها، كل شيء يجب أن يدخل في قالب واحد: إما مؤامرة، أو تطبيع، أو في أسوأ الأحوال خيانة عظمى مع سبق الإصرار والترصد.
والغريب أن بعض هؤلاء يتعامل مع جغرافيا العواطف بطريقة مدهشة، فالوطن بالنسبة لهم مفهوم مرن جدًا: يمكن أن يتمدد ليصل إلى طهران، وينكمش فجأة عندما يصل إلى الرباط.
وهكذا قد تجد مواطنًا يعيش فوق التراب المغربي، ويتنفس هواءه، ويأكل من خيراته ، لكنه يشعر أن قلبه النابض موجود في مكان آخر، حيث يوجد “المرشد الأعلى” ونسخة أخرى من البوصلة السياسية ، وفي هذه اللحظة يصبح المغرب، في نظره، مجرد تفصيل جغرافي صغير في طريق الولاء الأكبر.
والأطرف من كل ذلك أن بعض هؤلاء يهاجم الدولة باسم “الوعي السياسي”، بينما يشبه وضعه تمامًا المثل المغربي الشهير:
“أهل الميت سكتو… والعزاية جهلو.”أي أن أصحاب القضية الحقيقيين قد يكونون أكثر هدوءًا، بينما يتحول بعض المتحمسين إلى خبراء صراخ محترفين.
وفي النهاية، قد نختلف في السياسة، وقد تختلف المواقف من ملفات كثيرة، لكن هناك حقيقة بسيطة لا تحتاج إلى فلسفة عميقةو وهي:الوطن ليس فندقًا سياسيًا نقيم فيه مؤقتًا ريثما نجد مشروعًا أيديولوجيًا أفضل.
الوطن ببساطة ن إما أن يكون المرجع الأول، أو يصبح كل شيء بعد ذلك مجرد خطاب طويل بلا عنوان.