كيف يصاب اليسار بدوار القبلة ،ويتحول الحداثي إلى مؤذن في قم

حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

أغرب ظاهرة سياسية في المغرب ليست التضخم، ولا الجفاف، ولا حتى الفيضانات التي تزورنا كل شتاء دون دعوة، بل تلك السكيزوفرينيا الإيديولوجية التي أصابت فئة من “الحقوقيين اليساريين” عند أول صاروخ يُطلق خارج التوقيت الأمريكي.
ففي الصباح: حداثة، حريات فردية، فصل الدين عن الدولة، نقد المقدس، محاربة الظلامية، وضرورة تخليص الإنسان من كل وصاية، وفي المساء، ما إن تُذكر طهران أو تُشتم رائحة بارود أمريكي، حتى يتحول نفس الشخص إلى فقيه مقاومة، وخبير في فضائل الولي الفقيه، ومحلل استراتيجي يشرح لنا أن قمع الحريات “تفصيل ثانوي” عندما يكون القامع “ضد أمريكا”.
هنا فقط، يصبح الملحد الحداثي مدافعًا شرسًا عن دولة دينية ثيوقراطية، ويتحول الحقوقي إلى محامي شيعة إثني عشرية لا يتقنون سوى كسر الجماجم باسم العقيدة، ويغدو فصل الدين عن الدولة مجرد اقتراح جميل يصلح للمغرب ، لا لإيران.
ليس غريبًا أن يتضامن الإنسان مع ضحايا الحروب، الغريب حقًا هو أن ترى من يحارب أي خطاب ديني داخل بلده، يُفتي في فضائل “المقاومة العقائدية” عندما تكون على بُعد آلاف الكيلومترات، ويكتشف فجأة أن “الاستبداد النسبي” مقبول إذا كان العدو اسمه أمريكا.
السياسة عند هؤلاء لم تعد مبدأ، بل تحولت إلى لعبة طفولية اسمها: “إنا عكسنا” ، إذا قالت واشنطن “أسود”، وجب علينا أن نقول “بنفسجي ثوري”، حتى لو ضاعت البوصلة، واحترق المنطق، وانتحرت المبادئ.
الأدهى من ذلك، أن بعض هؤلاء لا مشكلة لهم مع التطرف،
شريطة أن يكون مستورَدًا، مغلفًا بشعار المقاومة، قادماً من نظام لا يخفي عداءه للمغرب، ولا يتردد منذ سنوات في دعم عصابة انفصالية بالمال والسلاح والتدريب لتقسيم وطننا.
وتبقى المفارقة القاتلة:أنهم يعرفون جيدًا أن جنود هذا الوطن ليسوا “كفارًا”، وأنهم تحت إمرة إمارة المؤمنين، وأن ملك البلاد، من آل بيت رسول الله، هو صمام أمان وحدة المغرب واستقراره،
ومع ذلك يبررون لنظام يبغض هذا الملك، ويتمنى زواله،
ويحلم بتشييع شعبه، وهم يعيشون في كنف أمن لم توفره لا طهران ولا شيوخها.
نظام لم يقدّم للعالم لا نموذج عدالة، ولا تنمية، ولا حرية، بل صدّر الإرهاب، والميليشيات، والخراب ، ثم طالبنا بالتصفيق لأنه “يتحدى الإمبريالية”.
هكذا ببساطة، سقط القناع ، لا يسار، ولا حقوق، ولا مبادئ ، فقط كراهية عمياء لأمريكا، تجعلهم يسجدون لأي صنم يقف في الاتجاه المعاكس، حتى لو كان اسمه: اللات، العزة، أو الملالي.
أما نحن، فنقولها دون ازدواجية: الله، الوطن، الملك ، وعاش المغرب،
ولا عاش من خان بوصلته قبل أن يخون وطنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *