لماذا لا ندندن نحن المغاربة؟ هل لأننا ببساطة نسينا كيف نكون سعداء؟

حميد طولست .
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

يبدو أن الدندنة في المغرب أصبحت سلوكًا نادرًا، كأنها طائر مهاجر لم يعد يجد مكانًا آمنًا ليحطّ فيه، إلى درجة تثير دندنة رجل خمسين على الرصيف انتباه أحد المدونين، عنها وكأنها ليست مجرد لحظة عابرة، بل مؤشر اجتماعي مثل ارتفاع الضغط، وأنها هذه المرة ضغط نفسي جماعي.
يقول المدون أن الرجل كان يُصفّر أغنية “الما يجري قدامي…” لبهيجة إدريس، بينما نحن لا يجري بدواخلنا سوى القلق والضيق.
وسؤاله القيقي ليس: لماذا يدندن الرجل؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا لا ندندن نحن؟
فهل السبب اقتصادي؟ قد يكون ، فالمواطن المغربي أصبح يعيش معادلة رياضية مستحيلة: راتب محدود + أسعار بلا سقف + فواتير لا ترحم = دندنة مستحيلة.
إذ كيف يمكن أن يدندن شخص يفكر صباحًا في ثمن الطماطم، وظهرًا في ثمن المحروقات، ومساءً في ثمن الكرامة؟
فلو كانت المشكلة اقتصادية فقط، لكان نصف سكان العالم تعساء ، ومع ذلك، نرى شعوبًا أفقر منا، تدندن أكثر و تضحك أكثر منا.
إذن ربما السبب اجتماعي؟ نعم مجتمع يضغط عليك لتنجح، ويحاسبك إن فشلت، ويحسدك إن نجحت، ويُعاتبك إن انسحبت.
في المغرب، يمكنك أن تكون: فقيرًا ، فيلومونك .غنيًا ، فيحسدونك .سعيدًا ، فيشكّون فيك …
لأن السعادة عندنا أصبحت سلوكًا مشبوهًا ، فإن ضحكت كثيرًا قالوا: “هذا ما فاهمش الواقع”، وإن دندنت قالوا: “واش ما عندك حتى هم؟” .
ثم نأتي إلى السبب السياسي ، كما قال صاحب التدوينة: في البلدان الحرة يُصرف الغضب عموديًا، نحو صُنّاع القرار ، أما عندنا ، فالغضب يُصرف أفقيًا…
سائق مرسيدس يشتم سائق “بي إم”، وجار يشتم جاره، وموظف يفرغ غضبه في المواطن، والمواطن يفرغ غضبه في أسرته،
وهكذا تتحول البلاد إلى سلسلة بشرية من التوتر ، ولذلك لا ندندن، لأن الدندنة تحتاج إلى مساحة نفسية، ونحن نعيش في ازدحام نفسي دائم.
زبالمناسبة، دعوني أنتقل بكم بعيدا هذه التدوينة إلى قصة طريفة لرجل صيني ربما دندن كثيرا في حياته.
الققصة تحكي أن رجلا في الصين اشترى تذكرة طيران من الدرجة الأولى قابلة للاسترجاع، ثم بدأ يزور صالة كبار الشخصيات يوميًا، يأكل، يشرب، يستمتع ، ربما يدندن ، ثم يؤجل الرحلة إلى الغد.
كرر الرجل العملية أكثر من 300 مرة!
ولم يخالف القانون، لكنه اخترق المنطق .
وبعد عام كامل ، استرجع ماله كاملاً ، وغادر مطمئنًا.
السؤال هنا: هل كان الرجل الصيني سعيدًا مدندنا ؟
على الأرجح ،نعم. فهو وجد ثغرة صغيرة في نظام كبير ، واستمتع بها دون أن يؤذي أحدًا.
بينما نحن، حتى لو وجدنا صالة مجانية ، سنقضي وقتنا فيها نتذمر من جودة القهوة، ونناقش من سرق البلاد، ومن ظلمنا، ولماذا ال VIP مخص للطبقة دون أخرى ؟وننسى التمتع والدندنة في التلك للحظة ولو لم تكن دائمة !!!!.
أما الرجل الصيني فد صنع لنفسه مساحة سعادة ، في الوقت الذي كنا فيه نبحث عن أسباب إضافية للحزن.
المفارقة الساخرة أن الرجل الصيني لم يسافر ، لكنه عاش تجربة سفر يومية.
أما نحن ، فنعيش في بلد جميل ، لكننا نادراً ما نسافر داخله نفسيًا.
لدينا: بحور ساسعة، لكننا مشغولون عنها بالزحام .
لدينا شمس ، لكننا منشغلون عن دفئها بالغلاء .
لدينا مدن جميلة لكننا غاضبون دائمًا من مراكتنا لها بالأزبال.
الرجل الصيني كان يذهب إلى المطار ليعيش تجربة “VIP”
أما نحن ، فنعيش تجربة “VIP” يوميًا:مع كل المشاكل المختلقة.
وفي النهاية ، ربما لا تنقصنا الأموال كثيرًا ، ولا تنقصنا الحرية تمامًا،
ولا تنقصنا الفرص دائمًا…
ما ينقصنا هو شيء أبسط:أن نتعلم كيف ندندن رغم كل شيء.
لأن الرجل الذي كان يُصفّر صباحًا في المدونة إياها، ربما لم يكن أغنى منا ، لكنه كان، ببساطة أكثر شجاعة في مواجهة الحزن.
ولعل أكبر مفارقة ساخرة هي: أن الرجل الصيني وجد طريقًا مجانيًا إلى صالة السعادة، بينما نحن لا نزال ننتظر الضوء الأخضر للبحث عنها ،وهو لا يزال أحمر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *