لماذا لا يثق المسؤول المغربي في سياحة بلده؟

حميد طولست

في بلد يفاخر بجمال شواطئه ودفء ضيافته، يختار بعض كبار مسؤوليه أن يطيروا نحو جزر المتوسط والمحيط الهندي لقضاء عطلاتهم، وكأنهم يهربون من واقع سياحة بلادهم التي يسوقونها لنا ليل نهار. المفارقة أن المواطن العادي، الذي يكتفي برحلة قصيرة إلى أقرب شاطئ شعبي، يجد ثمن السردين — رمز البحر المغربي — قد حلق إلى أكثر من 20 درهم، بينما رئيس الحكومة نفسه يلتقط صورًا بين يخوت سردينيا الإيطالية. فأي رسالة نُرسل للعالم، وأي ثقة نطلبها من المغاربة والجالية، إذا كان القبطان أول من يقفز إلى قارب أجنبي؟
هذه ليست حادثة معزولة، بل نمط متكرر. فإلى جانب عزيز أخنوش، الذي أثارت رحلته الصيفية إلى جزيرة سردينيا الإيطالية موجة من الجدل، هناك وزراء وبرلمانيون فضلوا وجهات مثل فرنسا، إيطاليا، الولايات المتحدة، واليونان، بينما كان بإمكانهم — على الأقل شكليًا — أن يختاروا وجهات مغربية كرسالة رمزية تدعم ما يروجون له من سياسات سياحية. والأكثر إثارة للاستغراب أن وزيرة السياحة نفسها، فاطمة الزهراء عمور، سبق أن شوهدت تقضي عطلتها في زنجبار، إحدى جزر المحيط الهندي، في مشهد بدا للبعض وكأنه إعلان غير رسمي عن “خيار السفر للخارج” حتى من داخل الوزارة المسؤولة عن تسويق السياحة المغربية!
بالنسبة للمواطن، هذه الصور والمشاهد تحمل دلالة أبعد من مجرد اختيار شخصي لمكان الإجازة. هي تعكس فجوة بين الخطاب الرسمي الذي يدعو إلى دعم السياحة الوطنية، والواقع العملي الذي يكشف أن حتى أصحاب القرار لا يجدون في المغرب ما يغريهم لقضاء عطلتهم. وحين تتزامن هذه المفارقة مع ارتفاع الأسعار — من السكن إلى المأكل، وصولًا إلى السردين الذي صار يُعامل كسلعة فاخرة — يصبح الحديث عن “جاذبية السياحة الداخلية” أشبه بالنكتة الثقيلة.
قد يقول قائل إن قضاء العطلة خارج البلاد مسألة حرية شخصية، وهذا صحيح، لكن حين يتحول الأمر إلى ظاهرة بين كبار المسؤولين، بمن فيهم وزيرة السياحة نفسها، يصبح السؤال مشروعًا: كيف نُقنع المواطن بأن منتوجنا السياحي يستحق الدعم إذا كان صانع القرار نفسه لا يختاره؟ إن الثقة لا تُشترى بحملات دعائية ولا بخطابات رنانة، بل تُبنى بالفعل والقدوة. ومتى ما قرر المسؤول المغربي أن يقضي عطلة الصيف في شفشاون بدل شواطئ ميكونوس، أو في الداخلة بدل جزر المالديف، سيتوقف المواطن عن السخرية… ويبدأ بالتصفيق.
لأن المواطن ينتظر التزامًا ومصداقية قبل أية دعوة وطنية ، ويرغب في رؤية قيم التضامن الوطني تجسد وليس مجرد شعارات. المقال بهذا الطرح لا يهاجم شخصًا، بل يكشف عن تباين في السلوك والمطالب، ويطالب بمسؤولية ذاتية من النخبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *