مؤسسة بنيشو والسلوك الذي لا يُدرَّس

حميد طولست

ليس كل شكرٍ عابرًا، وليس كل ردٍّ مجرّد مجاملة، هناك ردود تحمل في نبرتها أخلاق أصحابها، وتكشف – دون قصد – معدن الإنسان حين يكون العطاء عنده موقفًا لا استعراضًا، وواجبًا لا منّة فيه. على إثر مقالتي المتواضعة «حين يصبح العطاء موقفًا، والإنسان أولوية – مؤسسة بنيشو نموذجًا»، والتي لم أقصد بها سوى أداء شهادة حق للرأي العام، والتنبيه إلى أن الخير لا يزال حيًا بيننا ما دام في هذا الوطن من يشبهون مؤسسي مؤسسة بنيشو، تلقيت تعليقًا من السيدة بناني حرم السيد بنيشو، لا يمكن وصفه إلا بما تقوله الذاكرة الشعبية: “مشرمل” تعليق تجاوز حدود الشكر، ودخل منطقة الصفاء الإنساني الخالص. كلمات بسيطة، لكنها مشبعة بصدقٍ نادر، لا تعرف الزخرفة ولا تتوسّل البلاغة. كلمات تقول: نحن هنا لأن الواجب الإنساني استدعانا، لا لأن الأضواء نادتنا. وهنا تحديدًا، تتجلى الفروق بين من يفعل الخير ليُرى، ومن يراه واجبًا يُؤدّى ثم يُنسى. غير أن لحظة النبل الأسمى، لم تكن في التعليق وحده، بل في تلك المكالمة الشخصية التي تشرفت بتلقيها من السيدة فدوى بناني، حرم السيد محمد بنيشو. مكالمة قصيرة في زمنها، عميقة في معناها، أكدت لي أن ما يُبنى على القيم، لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الرقي لا يُعلن عن نفسه بل يُحَسّ. أن يتصل بك من يشكر لأنك شكرت، فذلك درس أخلاقي بليغ، ورسالة صامتة مفادها أن العطاء حين يصدر عن قلوب نظيفة، يُنجب سلوكًا راقيًا تلقائيًا، بلا تكلف ولا حسابات. إن مؤسسة بنيشو، من خلال هذا الرد، لم تشكر كاتب مقال فحسب، بل قدّمت نموذجًا في التواضع، وفي احترام الكلمة الصادقة، وفي الاعتراف المتبادل بين الفعل النبيل والقلم المسؤول. وهنا يصبح العطاء ثقافة، لا نشاطًا ظرفيًا، ويغدو العمل الجمعوي فعلًا حضاريًا، لا مجرد رقم في تقارير. في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتشوّشت فيه القيم، يظل هذا السلوك الهادئ، الراقي، غير المعلن، بمثابة تذكير ثمين: أن الإنسان لا يُقاس بحجم ما يملك، بل بعمق ما يمنح…وأن بعض المؤسسات لا تصنع الفرق بأموالها فقط، بل بأخلاق من يقفون خلفها. تحية تقدير للسيد فدوى بناني ولمؤسسة بنيشو، وتحية أصدق لأولئك الذين يفعلون الخير، ثم ينسحبون بهدوء، تاركين الأثر يتكلم عنهم.مؤسسة بنيشو والسلوك الذي لا يُدرَّس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *