ما أحوج سوريا لسياسية ناضجة تُعلي الوطن والمواطنة فيها.

حميد طولست

الحديث عن أي إصلاح أو إعادة بناء في سوريا يبقى مجرد أوهام في ظل ما تعيشه من واقع أشد ألماً مما عرفته مع حكم بشار الأب و الابن، جراء الصراعات القائمة على المصالح الضيقة للفئات المتنازعة فيها على السلطة ورغبتها في الهيمنة على الثروات ، على حساب الوطن والشعب الذي فقد الثقة في كل الأطراف ، وفي ما ترفعه من الشعارات والوعود التي ليست إلا وسيلة للتضليل، وذريعة للحفاظ على المواقع ، ونهب الموارد الوطنية -سواء من قبل الداخل أو القوى الخارجية المتدخلة- حتى لو كان الثمن هو انهيار الدولة وإغراق حياة الناس في مستنقع التدمير والاحتراب والأحقاد والصراعات التي ليست مجرد عمل عدائي، يتوقف فيه النزاع عند مجرد إسقاط الأنظمة، بل يمتد إلى محو الرمزية التاريخية للأطراف المهزومة ، كتعبير عن مدى الانقسام العميق الذي لا يمكن أن يحدث إلا عندما تكون النزاعات قائمة على هويات سياسية أو دينية متضادة لا تُحسم منازعاتها فقط في ساحات المعارك، ولك عن طريق الانتقام وتشويه رمزية الخصم وتاريخه وذاكرته الجمعية ، السلوك الذي يعكس البنية الفكرية والسياسية المتوارث عن الصراع السياسي والتاريخي الإسلامي/العربي، المبني على الانتقام وتشويه الآخر، الذي لا يمكن معه إعادة بناء وطن يحترمه الجميع ..
وما إحراق ضريح الأسد بدمشق ، والذي يرمي لطمس الإرث الرمزي للنظام السوري السابق، وتأكيد الهيمنة على التاريخ من قبل القوى المعارضة أو الثائرة أو الجهادية ، إلا صورة مصغرة من صراع الخلافتين العباسية والأموية ، والتي كان نبش قبور الأمويين فيها وتعليق بقاياهم ، عملًا بطوليا يهدف إلى إنهاء رمزية وشرعية الخلافة الأموية بالكامل وتثبيت قوة العباسيين ، ليس فقط في الحاضر، ولكن أيضًا في الذاكرة التاريخية ، كما أنه نموذجا حيا ،يفضح نوايا بعض الفصائل الدينية التي تدعي المقاومة ويكشف مشروعها الضيق الأفق والمتمثل في دولة الخلافة الإسلامية التي لا تعترف بوجود الوطن كوحدة سياسية أو ثقافية مستقلة، التي يتحول معها الصراع من نزاع سياسي يمكن حله ، إلى صراع وجودي قائم على نفي الآخر وتدميره، ويجعل أي حديث عن السلام مجرد وهم لن يتحقق في سوريا ، كما حدث مع غيرها من البلدان و المجتمعات التي عاشت نفس الواقع المؤلم مع تجارب الحركات والأحزاب الدينية التي كان لها حضور قوي في المنطقة -منذ النصف الأول من القرن العشرين- مدعومًا بالوعد بتقديم حلول شاملة لكل مشاكل الأمة، السياسية، والاجتماعية، و الاقتصادية ،والتي انكشف زيفها مع تسلم الحركات والأحزاب الدينية للسلطة في بعض البلدان، التي ركزت فيها على أيديولوجية ضيقة ومصالح فئوية بعيدة عن أي مشروع وطني جامع، ما أدى بها إلى الفشل الذريع في عدد من البلدان والمجتمعات والأمم التي تسلم فيها السلطة وأوصلتها في بضعة عقود إلى خاتمة بائسة ، أضعَفت الحس الوطني لدى شعوبها ، وزرعت بذور الأحقاد بين فصائلها كما فُعل مع سزريا.
ورغم الصورة القاتمة، يبقى الأمل في المبادرات الشعبية التي تأتي من خارج دوائر السلطة والنفوذ التقليدية ، والقادرة على إحداث تغيير حقيقي، إذا ما وجدت دعمًا شعبيًا وتوافقًا على مبدأ أن الوطن للجميع، لا لفئة أو جماعة بعينها ، لأن سوريا بتاريخها العريق ، وتنوعها الثقافي، تستحق رؤية سياسية ناضجة تُعلي من شأن الوطن والمواطنة فيها فوق كل الانتماءات الأخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *