في مشهد عربي مرتبك، تتقاطع فيه الشعارات وتتناقض فيه المبادئ، يظهر تحالفٌ غير مقدس بين بعض التيارات اليسارية المأزومة وبعض الجماعات الإسلاموية، تحالفٌ يُلبّس السياسة لبوس الدين، ويغلف الدين برداء الثورة، ويبرر التبعية بدعوى “المصلحة الإسلامية العليا”. هذا التحالف، الذي يجد له منصةً إعلامية في فضائيات كالجزيرة، ومنابر النقاش في المقاهي والندوات، يُنتج خطاباً ملتبساً، لا يستقيم أمام منطق بسيط أو موقف مبدئي. نجد اليوم من يساريين كانوا يوماً يتغنون بالاستقلالية والسيادة، يصفقون لتحالفات إقليمية تُدار من أنقرة والدوحة، ويباركون وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضٍ عربية، فقط لأنها تتبع “محور المقاومة البديل”، أو لأن الراية التي ترفعها ليست أمريكية خالصة. هكذا يصبح الاحتلال الأمريكي في قطر “تحالفاً استراتيجياً”، وتتحول القواعد التركية في ليبيا والصومال إلى “تعاون أخوي”، بينما تُلعن كل سفينة تجارية لا تحمل توقيعاً صريحاً من “المشيخة المباركة”. أما إذا خرجت باخرة من ميناء لا يخضع لمشيخات الغاز، أو حملت شحنة لا تُباركها مرجعيات الإسلام السياسي أو رأس المال الإسلامي، فينقلب المشهد: يُستنفر المناضلون، تُشعل الحملات، وتُنظم التظاهرات “الرمزية” ضد “التطبيع” و”الخيانة”. لا يُطلب دليل على نوع البضاعة، ولا يُطرح سؤال حول مصدر المعلومة. يكفي أن لا تكون الباخرة خاضعة لـ”محورنا”، لتُدرج تلقائياً في خانة الأعداء. المفارقة الأكبر تكمن في الصمت – أو حتى المباركة – تجاه اتفاقيات التطبيع التي وقعتها قطر وتركيا بشكل غير مباشر، سواء عبر علاقات اقتصادية وتجارية مع إسرائيل، أو من خلال الوساطات والتنسيقات الأمنية. هذا “التطبيع المبارك”، مغفور له، لأنه يأتي من “ولاة الأمر…”، أما غيره فـ”كفر بواح”، وخيانة عظمى. هنا يظهر الخلل البنيوي في علاقة بعض اليسار بالإسلاميين: يسار تائه، فقد البوصلة منذ زمن، فاستسلم لتحالف ظرفي يوفر له منصة أو دوراً هامشياً، متوهماً أن الركوب على الموجة الإسلاموية سيعيد له وهجه القديم. لكنه لا يدرك أن هذا التحالف لا يرحم، وأنه سينتهي بابتلاع الهامش، وتذويبه في سردية غيبية لا تؤمن لا بحرية ولا بعدالة اجتماعية، إلا وفق معايير “الشرع السلطاني”. نحن أمام حالة من الانفصام السياسي: خطاب يساري في الشكل، ومضمون مُسلفن، يحتمي بالمظلومية حيناً، ويتماهى مع السلطة حيناً آخر، يغض الطرف عن انتهاكات حلفائه، ويشهر سيفه فقط حين لا تكون “المصالح” متطابقة. في النهاية، من حقنا أن نتساءل: إلى أين يسير هذا اليسار؟ وهل بقي منه شيء غير اسمه؟ وهل نكتفي بتسجيل المواقف، أم نعيد بناء يسار حقيقي، مبدئي، مستقل، لا يحتمي بخنادق غيره، ولا يتاجر بشعارات التحرر وهو يصطف مع السلطان ضد المقهورين؟