حميد طولست
في الأيام الأخيرة، أثارت مسيرة سكان أيت بوكماز بإقليم أزيلال تعاطفًا واسعًا بعدما قرر سكان المنطقة كسر جدار الصمت والتهميش عبر احتجاج سلمي يطالب بأبسط مقومات الحياة: إصلاح طريق، فك العزلة، توفير خدمات طبية، وملعب لكرة القدم.
ولعل اللافت أن رئيس الحكومة السابق، الدكتور سعد الدين العثماني، خرج عن صمته ليدلي بتصريح يصف فيه هذه الخطوة بـ”العمل الرائع”، ويحيّي المحتجين على سلميتهم ويؤكد أن “من حقهم أن يحتجوا، وعلى الجهات المعنية الاستجابة في آجال معقولة”.
للوهلة الأولى، يبدو التصريح إنسانيًا، متضامنًا، عقلانيًا. لكن لمن يعرف خريطة المسؤوليات في هذا البلد، ولمن يتتبع مسار الرجل وحزبه، فإن القراءة البسيطة لهذا الموقف لا تكفي. بل لا بد من طرح السؤال المشروع:
أين كان هذا التعاطف حين كانت يد العثماني، ومن قبله عبد الإله بنكيران، هي الممسكة بزمام السلطة؟
طوال عشر سنوات، كان حزب العدالة والتنمية يقود الحكومة، وكان سعد الدين العثماني وزيرًا ثم رئيسًا للحكومة لمرحلة امتدت لما يقارب نصف عقد.
ألم تكن أيت بوكماز موجودة حينها؟
ألم تكن الطرق غير معبدة، والعزلة خانقة، والخدمات منعدمة، والشباب عطِشًا إلى ملعب أو أفق؟
أين كانت تلك “التحية” النضالية التي يوزّعها اليوم؟ وأين كانت تلك “الآجال المعقولة” التي يتحدث عنها؟
واقع الحال يقول إن هذا التصريح لا يمكن فصله عن سياقين اثنين:
1. سياق وطني عام يتسم بتراجع شعبية الحكومة الحالية وازدياد منسوب التذمر الشعبي، ما يفتح شهية عدد من الفاعلين السياسيين لركوب موجة الانتقاد ولو من باب الدفاع عن الحقوق؛
2. وسياق حزبي داخلي يسعى فيه العدالة والتنمية إلى إعادة ترميم صورته استعدادًا للاستحقاقات الانتخابية القادمة، ولو عبر التبرؤ من مسؤولياته السابقة بطريقة غير مباشرة.
هنا يحق لنا التساؤل:
هل نحن أمام دعم مبدئي فعلي لحق ساكنة أيت بوكماز، أم أمام انخراط مبكر في حملة انتخابية تنطلق من حيث انتهى فشل التجربة السابقة؟
قد يقول البعض إن العثماني مواطن قبل أن يكون سياسيًا، ومن حقه التعبير عن رأيه والتضامن مع مطالب شعبية مشروعة.
هذا صحيح. لكن عندما يصدر هذا التضامن عن رجل تحمّل مسؤولية القرار السياسي لعشر سنوات، فإن الصمت السابق يصير أكثر تعبيرًا من التصريح اللاحق.
وحين يتحول التضامن إلى أداة لتبييض سجل سياسي لم يقدم لأمثال أيت بوكماز سوى الانتظار، فإن النوايا تُصبح موضع تساؤل.
إن ما يطلبه سكان أيت بوكماز اليوم لم يتغير منذ سنوات، لكن الوجوه المتضامنة هي التي تغيّرت.
وفي زمن الانتخابات القريبة، يصبح الحق أحيانًا مجرد مدخل لخطاب استقطابي، لا يعترف بالمسؤولية، بل يكتفي بإلقاء التحية من بعيد.