مجرد رأي حين تُغلق أبواب السياسة في وجه “أصحاب السوابق”وتشرعه لـ“أصحاب العاهات الفكرية”!

حميد طولست
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، خرجت “أمّ الوزارات” بقرارات حازمة، وبلائحة سوداء ثقيلة، تُعلن فيها – دون تردد – أن السياسة لم تعد ملاذًا آمناً لكل من ضاقت به ساحات العدالة.
القانون هذه المرة بدا صارمًا، واضحًا، لا يقبل التأويل ولا “التبركيك”:
فالمحكوم عليهم؟ خارج اللعبة ، والمتابعون في قضايا خطيرة؟ خارج المدار ، المدانون، ولو ابتدائيًا في جنايات؟ لا مكان لهم في حلبة التنافس.
وأن العودة إلى “الحضن السياسي” لم تعد نزهة، بل رحلة طويلة تمتد لعشر سنوات كاملة، ولا تمر إلا عبر بوابة القضاء ،إن فُتحت أصلاً.
جميل. بل رائع ، أننا أمام محاولة رسمية لـ”تنقية” المشهد السياسي، وتطهيره من شوائب الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة ن لكن، وهنا يبدأ الجزء الساخر من الحكاية :هل فعلاً انتهت كل أشكال التلوث؟
بمعنى أوضح: إذا كان القانون قد قرر إبعاد “أصحاب السوابق القضائية”، فلماذا لا يفكر – ولو للحظة – في إبعاد “أصحاب السوابق الدراسية” أو بالأحرى “اللاسوابق الدراسية”؟
كيف يمكن أن نمنع من أُدين بحكم قضائي، ونسمح في المقابل لمن لم يُدن حتى أمام سبورة دراسية واحدة أن يتولى التشريع، ويصوغ القوانين، ويقرر في مصير أمة؟
أليس من حق المواطن أن يتساءل: كيف يُعقل أن يُشترط في حارس عمارة شهادة معينة، بينما لا يُشترط في مشرّع القوانين سوى “حسن النية” ، أو حسن العلاقات؟
الباكالوريا ، ذلك “الخط الأحمر” الذي يخيف الأحزاب!
الذي كان ولايزال من بين أكثر المطالب شعبية ترددا في الشارع كما في المقاهي، والمؤسسات ، كمطلب بسيط: أن يكون مستوى الباكالوريا على الأقل شرطًا للترشح.
طلب يبدو بديهيًا، منطقيًا، بل حتى متواضعًا ، لكنه، ويا للمفارقة، يثير حساسية مفرطة لدى عدد من الأحزاب.
لماذا يا ترى؟ لأن فرض هذا الشرط قد يُحدث زلازل داخلية بالأحزاب، ويُفرغ لوائحها الانتخابية من “أعيانها” الذين اعتادوا الفوز، ليس بفضل برامجهم، بل بفضل نفوذهم المالي وشبكاتهم الزبونية.
ببساطة، نحن أمام معادلة غريبة:قانون يحارب الفساد ، لكنه يتغاضى عن الجهل.
وكأن الرسالة غير المعلنة هي: “لا بأس أن تكون جاهلاً ، المهم ألا تكون مُدانًا!” وبين النزاهة والكفاءة ، نصف إصلاح ، وهو لا يكفي.
لا أحد يجادل في أهمية هذه الإجراءات الجديدة، ولا في ضرورتها ، لكن الاكتفاء بها يشبه تنظيف نصف الغرفة وترك النصف الآخر غارقًا في الفوضى.
فالفساد ليس فقط سرقة المال العام ، بل قد يكون أيضًا سوء تدبير، وقرارات مرتجلة، وتشريعات تُكتب بلا فهم عميق، ولا رؤية استراتيجية ، ما يجعل من الجهل – إن لم نقل الأمية السياسية – خطرًا لا يقل عن خطر الفساد.
الخلاصة الساخرة:
لقد قررنا أخيرًا أن نُغلق الباب في وجه “الفاسدين المحكومين”…
لكننا ما زلنا نترك النافذة مفتوحة على مصراعيها أمام “الفاسدين المحتملين” بسلاح الجهل.
فهل نحتاج فعلًا إلى عشر سنوات لإعادة تأهيل من أُدين قضائيًا،
أم نحتاج أولًا إلى تأهيل من لم يتأهل أصلًا؟
ربما، فقط ربما ، حينها يمكن أن نتحدث فعلًا عن مشهد سياسي نظيف،
لا تحكمه السوابق ، ولا العاهات الفكرية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *