سعيد معواج التازي
تشكل دمقرطة المجلس الوطني للصحافة لحظة مفصلية في مسار الإعلام المغربي، حيث يُعد مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة، ومراجعة قانون الصحافي المهني، منعطفًا حاسمًا في المسار الحقوقي وتراكم حرية التعبير والإصلاح الإعلامي بالمغرب، فهذه اللحظة التاريخية تستدعي نقاشًا وطنيًا واسعًا، دون شطط أو تسرّع، بما يضمن إعادة الاعتبار للصحافة كسلطة رابعة حقيقية ومستقلة، تساهم في تواصل ورش بناء الدولة الديمقراطية.
وفي خضم هذا السجال القائم ببلادنا مؤخرًا، كان لا بد من استحضار عدة مخاضات وتراكمات، منها ما هو ذاتي يهم أهل المهنة، ومنها ما هو موضوعي، يشد الأنظار إلى سياق وطني لا يجب أن تنفلت من بين يديه ضرورات المرحلة بكل تحدياتها. وهي لحظة فارقة تقتضي منا تعاملًا مميزًا وفارقًا بدوره.
ولإجمال الرؤية، كان من الضروري توزيع القراءات وتحليل العناصر التي كبّلت كل عزيمة وإرادة للإصلاح، وكان بالإمكان تلافيها، سواء باعتبارها أخطاء من ناحية، أو خطوات كان ينبغي أن تكون أكثر نجاعة من ناحية أخرى، لتأخذ حقها من التفكير والتروي. ويمكن تلخيصها كما يلي:
1. تقرير اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر والافتقار الجلي لمقومات الإصلاح: فمن وجهة نظري المتواضعة، أعتقد أنه كان من الأجدر أن يتضمن تقرير اللجنة المكلفة بتسيير المجلس الوطني للصحافة تقييمًا دقيقًا وجريئًا لتجربة المجلس، مع اقتراحات ملموسة تهم التدبير والتطوير ممارسة وتسييرا، موازاة مع التنصيص الصريح على آليات الانتخاب المشفوعة بضمانات الاستقلالية، إلا أن التقرير اكتفى بتشخيص تقني طغت عليه هواجس الإدارة، وانساق غافلًا عن القضايا الجوهرية التي تشغل بال الصحفيات والصحفيين وعموم المهنيين، ومن جملتها تحسين الدخل وضمانات العيش الكريم.
2. القيمة الاستراتيجية لتوسيع دائرة المشاورات: أرى هنا، أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل كانت ملزمة بتوسيع نطاق المشاورات والتفاعلات، لتشمل كل الفاعلين: من نقابات، هيئات حقوقية، جمعيات مهنية، مراكز بحثية واحزابا، بدل حصر النقاش ضمن دوائر ضيقة أفرزت قانونًا أبعد ما يكون عن انتظارات الجسم الصحفي وروح المرحلة الديمقراطية التي تمر بها المملكة.
3. إشراك النقابات والحقوقيين: ما دلالة الخطوة ديمقراطيًا وشعبيًا؟ هي خطوة استراتيجية في مسار البناء الحقوقي ببلادنا، إذ تُعد عملية إشراك النقابات الأكثر تمثيلية والهيئات الحقوقية ومختلف الحساسيات المجتمعية في النقاش حول قانون المجلس الوطني للصحافة وقانون الصحافي المهني، مكسبًا ينبغي البناء عليه وتحقيق تراكم إيجابي انطلاقًا منه، لكنه يظل غير كافٍ ما لم ترافقه عناصر فعل ديمقراطي تمكّن من تعديل المشروع بناء على نتائج المشاورات المنجزة، لا فرضه كأمر واقع يصبح فيه القانون أداة لتثبيط العزائم بدل أن يكون إطارًا للتنظيم الذاتي للمهنة.
4. فما القيمة الآنية والمستقبلية للتريث وعدم التسرع في المصادقة ؟
، أعتقد أن مسألة الاستعجال في عرض القانون بشكله المقترح الحالي، سواء على البرلمان أو بعده الغرفة الثانية، دون حوار شامل، تعكس خللًا في تقدير أهمية المشروع وآثاره على المشتغلين بقطاع الصحافة برمّته، بل وتعد مخاطرة حقيقية بإخراج نص تشريعي لا يحظى بالتوافق، وأجزم أن ذلك سيسيء لصورة المغرب كدولة منخرطة في خيار الدمقرطة وحرية الصحافة، وهو ما تم الترافع بشأنه دوليًا واخرها بحنيف بسويرا .
5. انتداب الناشرين: هل يُسهم في التوازن بالمجلس والحياة الإعلامية والعامة؟
إن اعتماد الانتداب كآلية في تمثيلية الناشرين قد يفقد المجلس شرعيته التمثيلية، بل ويفرغها من مضمونها، ويمنح الأفضلية لفئة على حساب أخرى، وهنا لا بد من العودة إلى الآليات الديمقراطية عبر انتخابات نزيهة تمنح تمثيلية عادلة لجميع المكونات، وهو ما يضمن صورة تمثيلية موسعة للفاعلين بالقطاع.
6. لماذا ينبغي خوض الانتخابات باللائحة والبرامج بدل الترشح الفردي؟
في العمل الحزبي، أنا من أنصار الترشح الفردي، دون تاثير على الكوطة الخاصة بالشباب والنساء، باعتبارها آلية فرضها سياق زمني معين، وهي متجاوزة الآن، ولكن على مستوى مؤسسة بحجم المجلس الوطني للصحافة فالأمر مختلف، حيث إن هناك تنظيمات نقابية تحتضن أصوات الفاعلات والفاعلين بالقطاع. وأعتقد أن من الإيجابيات المقترحة من لدن النقابات استبعاد الترشح الفردي، وتعميم الانتخاب على عموم مكونات المجلس، وفق تعاقد انتخابي قوامه البرامج، بما يخلق كتلة منسجمة تتمخض عن اللائحة الفائزة، وتمنح شرعية حقيقية للتمثيل، موازاة مع ذلك يجب توسيع تمثيلية الصحافيين المهنيين وضمان توازن جهوي وترابي ونوعي، واستبعاد التصويت الفردي الذي يشتت الأصوات ويضعف الجسم الصحفي، ويعيق أي توجه إصلاحي ينبع من القاعدة، وهو جوهر الديمقراطية التمثيلية، بما يراعي خصوصية المهنة ويضمن الاستقلالية.
7. كيف يمكن مراعاة خصوصية القطاع ؟
تُعد الصحافة قطاعًا ذا خصوصية استراتيجية، وأي تحول فيها يجب أن يوازي طموحات بلد من حجم المغرب، بلد يقدم نفسه كملحمة مؤسساتية وتنموية تحظى بإعجاب دولي .
لذا فعلى صانع القرار أن يعي حساسية هذا المجال، الذي يشكل تعبيرًا عن الإرادة وقيم الحرية والرأي بالمجتمع وامام انظار العالم، بعيدًا عن أي رقابة مفترضة على السياسات العمومية، ويجب أن يكون تنزيل أي قانون ينظم المهنة محكومًا بخصوصية عالية، معززة بضمانات استقلالية الصحفيين والمجلس عن السلطة التنفيذية وكل أشكال الضغط السياسي.
8. خلاصة القول:
فبناءً على ما سبق، أعتقد أنه يجب النظر إلى الإعلام كرافعة أساسية مواكبة لأوراش الإصلاح السياسي والدستوري بالمملكة، من خلال قانون الصحافة والمجلس الوطني، واللذين ينبغي أن يشكلا مدخلًا لتحقيق التقدم والتطور، لا وسيلة لتكريس الرقابة أو الإقصاء باسم التنظيم والتقنين والالتزام، لكونها لحظة تاريخية لا ينبغي تفويتها.
وها نحن الآن أمام تحول تاريخي فارق، وخيارات صعبة ولكن ليست مستحيلة، فإما أن نستثمرها لتطوير التنظيم الذاتي للمهنة وإشفاعها بضمانات الاستقلالية للقرار الصحفي، أو نضيعها بإخراج قانون بعيد عن واقعنا وهمومنا، يضر بالمسار الديمقراطي الذي ضحّت من أجله أجيال من المناضلات والمناضلين في وطننا.