حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي •
انتهت مغامرة وليد الركراكي رسمياً مع المنتخب الوطني، لا بهزيمة مذلة، ولا بفضيحة تكتيكية، ولا حتى بسبعة أهداف يتيمة ، بل انتهت لأنه — ويا للجرم — أسعد المغاربة أكثر مما ينبغي. نعم، فالرجل الذي قادنا إلى نصف نهائي كأس العالم، وأعاد تعريف كلمة “المستحيل” في القاموس المغربي، تبيّن فجأة أنه مشروع إزعاج عام. كيف تجرأ وجعلنا نؤمن بأننا قادرون على هزم بلجيكا، وإخراج إسبانيا، وترويض البرتغال؟ كيف أقنعنا، ولو مؤقتاً، أن الكرة ليست حكراً على جغرافيا معينة؟ لقد ارتكب وليد خطأً قاتلاً: حين رفع سقف الأحلام في بلد يجب أن يبقى السقف منخفضاً، حتى لا نصطدم بالواقع، ولا نُحرج الذاكرة. الذاكرة الكروية: 90 دقيقة فقط مع وقت بدل نسيان في المغرب، الذاكرة الكروية قصيرة جداً، هي ذاكرة تعيش على “آخر ماتش”، وتموت عند أول تعادل، وتدخل العناية المركزة بعد أول إقصاء. أمس فقط، خرج الملايين إلى الشوارع يصرخون باسمه، واليوم، نفس الحناجر تسأل ببرود: “واش ما عطانا والو من بعد؟” وكأن نصف نهائي كأس العالم كان مجرد مباراة ودية رمضانية، أو خطأ مطبعي في جدول الفيفا. في القاموس الكروي المغربي، كل مدرب ناجح هو مدرب مؤقت، وكل إنجاز هو حادث سير كروي، وكل تاريخ قابل للمحو بممحاة محلل تلفزيوني غاضب. لا يهم أنك وحّدت القارة السمراء والعالم العربي، ولا يهم أنك جعلت علم المغرب يرفرف في مكان لم تطأه أقدامنا من قبل، المهم هو: “آخر تبديلة علاش كانت فالدقيقة 70 وماشي 65؟” وليد ، لست وحدك في قافلة النسيان، اطمئن يا وليد، فأنت لست أول من ذاق طعم نكران الجميل، ولن تكون الأخير. قبلك، ذاقه حسين عموتة، وتذوقه أيضاً جمال السلامي، حين صار إنجازهما “تفصيلاً”، وصار الفضل دائماً للاعبين، أو للحظ ،أو للطقس. أما المدرب المغربي، فدوره ينتهي فور تسليم الكأس ، أو حتى قبل أن تبرد صور الاحتفال. الخلاصة (حتى لا تُنسى هي أيضاً) قد يرحل المدرب، وقد تُفسخ العقود، وقد تعود النقاشات العقيمة إلى الاستوديوهات، لكن التاريخ — رغم محاولاتنا — عنيد ، وسيسجل، رغماً عنا، أن وليد الركراكي لم يكن مجرد مدرب، بل لحظة كرامة كروية نادرة. أما نحن ، فسنواصل البحث عن مدرب جديد، لنمنحه نفس الحب، ثم نفس الشك، ثم نفس النسيان. يا لها من سخرية ، أن يُعاقَب من رفع رؤوسنا أكثر مما يسمح به الروتين.