مدونة الأسرة المغربية و القيم الأمازيغية

حميد طولست

لا شك في أن التوتر النفسي والاجتماعي الذي أفرزته مدونة الأسرة في المجتمع المغربي ، لا يرجع ،كما كما يدعون المتصارعون ، إلى رغبتهم في إصلاح أحوال المرأة وتمكينها من حقوقها المهضومة، ولكنه يعود بالدرجة الأولى إلى الصراع الأزلي بين أصحاب المشروع المجتمعي الحديث القائم على المساواة والعدالة، وبين أصحاب التوجه الفقهي الذي يرى في النصوص القديمة مرجعية ثابتة، وبين أصحاب المشروع المجتمعي الذي يسعى لتطور المجتمع مع إعادة التوازن بين الحقوق الفردية والمصلحة الجماعية، بما يحقق انسجاما بين الدين والواقع..
بينما حقيقة ما تواجهه هذه المدونة من تحديات ، هي مقاومة ثقافة تقليدية متجذرة تخشى فقدان التماسك الاجتماعي. والتغيير الحقيقي لن يتحقق بإصلاح النصوص فقط، بل بإعادة صياغة القيم الثقافية وبناء وعي جديد يدرك أن النصوص انعكاس لعصرها وليست مقدسة، كما يؤمن بذلك دعاة التعديل العروبي الإسلاموي المقوض لتراث الأسرة الأمازيغية ، والذي إذا نحن تتبعنا ما شهدته المدونة من تعديلات، سيظهر جليًا أنها تُصاغ بعقلية تحمل بصمة التفكير العروبي الإسلاموي. هذه العقلية، بتوجهاتها وأجنداتها، المتناقضة في جوهرها مع روح الثقافة الأمازيغية وأعرافها العريقة، حيث لم تكن قط ، المرأة، أو “تمغارت”، مشكلة مطروحة في المجتمع الأمازيغي بالشكل الذي يبرر إدخال قواعد قانونية تقوِّض موقعها. بل على العكس، لم تكن “تمغارت” مجرد فرد في الأسرة، بل كانت مكانتها في الثقافة الأمازيغية تمتد إلى أبعد من مجرد دور اجتماعي ، حيث كانت عمود السرة ،ومحور قراراتها ، ورمزها المقدس ، ومصدر إلهامها ، وزعيمة وصانعة التوازن داخل النسيج الاجتماعي..
وتقدير المرأة يبدأ منذ لحظة الزواج، حيث تتجلى طقوس عميقة مثل “أسيگل”، “تمغرا”، و”ترزيفت”، وهي مراسم تعبر عن الاحترام المتبادل، والاعتراف بقداسة الرابطة الإنسانية. وفي هذا السياق، يُظهر الرجل الأمازيغي، أول وهلة انه “أميسي”، ارتباطًا عميقًا بأمه، وهو ارتباط يتجسد في حياته الزوجية، حيث نادرًا ما يتزوج على زوجته احترامًا لهذا الطقس الثقافي سر رفض التعدد..
وأمام هذا النزر القليل من الأعراف الأمازيغية التي تُعلي من قيمة المرأة كأم وزوجة في المجتمع الأمازيغي..
يبدو وكأنه تعديل المدونة، يتجاهل ، بل و ويعتدى على جوهر تلك الأعراف الأمازيغية ، بما احتواه من عبارات ونصوص وقواعد، تُكرِّس انعدام الثقة داخل العلاقات الأسرية وتُحوِّلها إلى عقود تُثقلها القيود القانونية، بدلًا من أن تكرس روح التضامن والقيم الإنسانية التي طبعت الثقافة الأمازيغية لقرون ، حيث كان الإنسان ولازال في الزواج الأمازيغي، هو الأساس. لأن الزواج ليس علاقة مبنية على مبدأ التعويض أوالاحتياط من الخذلان، بل هو انعكاس لمنظومة أخلاقية واجتماعية تُنظمها التراتبية العائلية الهادفة إلى تحقيق التماسك الاجتماعي وضمان استمرارية العلاقة الأسرية التي لا اليسار ولا اليمين، ولا حتى الدين، يمكن أن يُعزِّز مكانتها دون العودة إلى القيم الأمازيغية الأصيلة التي تعترف بمكانة المرأة وتبني علاقات إنسانية متماسكة تتجاوز الحسابات الضيقة والمصالح الفردية. إن إنقاذ الأسرة المغربية يبدأ من الاعتراف بالتراث الأمازيغي واحترامه، لا من تقويضه.
لأن تعديل مدونة الأسرى المغربية لا يرهب إلا الذين يتزوجون زواج المصلحة أما الذين بنوا زواجهم على أساس ميثاق غليظ ومتين من التقوى والمودة والرحمة والاحترام المتبادل و يعرفون حقوقهم وواجباتهم في غنى عن المدونات أو القوانين لأنهم يستمدون أصول العشرة الحسنة من شرع الله فلا يظلم الزوج زوجته ولا تظلم الزوجة زوجها لأنهم يتقون الله في بعضهم البعض بعيدا عن الطمع وسوء العشرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *