حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في أول لقاء مع”موضوع للنقاش” الذي اختاره “قلم الوطن MA”، قررت — بحسن نية وربما بقليل من الجرأة غير المحسوبة — أن أطرح سؤالاً بسيطاً في شكله، معقداً في مضمونه، ومزعجاً لكل من اعتاد الحديث في العموميات:
لماذا ترتفع الأسعار في المغرب بسرعة البرق عندما ترتفع عالمياً، لكنها تنخفض بسرعة السلحفاة ،أو لا تنخفض، عندما تنخفض عالمياً؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
سؤال بدا عادياً، لكنه فجأة تحوّل إلى سؤال غير مرغوب فيه، لأنه ببساطة انتقل بالنقاش من العاطفة إلى العقل، ومن التعاطف إلى المساءلة، ومن الوعود الفضفاضة إلى الأرقام الصلبة.
وهنا بدأت الكوميديا السوداء ، حيث ظهر فجأة، جيش من التفسيرات الجاهزة: مرة يقولون: تكاليف النقل ، ومرة: التخزين ،ومرة: تعدد الوسطاء ، ومرة: منطق السوق…
وكل مرة يخرج لنا تفسير جديد، وكأن المواطن المغربي يعيش داخل مختبر تجارب اقتصادية، لا داخل دولة لها مؤسسات رقابية وتشريعية وتنفيذية.
والغريب أن هذه التفسيرات تختفي فجأة عندما ترتفع الأسعار ، ولا تظهر إلا عندما يُسأل عن سبب عدم انخفاضها!
وهنا تبدأ المفارقة الكبرى ، لأن السبب المنطقي الذي يتجاهله كثيرون، هو ذاك القرار الذي حرّر السوق: قرار رفع الدعم عن المحروقات، والذي اتُّخذ بدعوى حماية مالية الدولة وتخفيف عبء المقاصة، وهو قرار يمكن تفهمه اقتصادياً ، لكن الخطأ لم يكن في التحرير، بل في ترك السوق بلا ضوابط.
وهنا تتوزع المسؤولية بشكل مثير للسخرية السياسية: بنكيران حرّر السوق، لكنه لم يُقنّنه ، العثماني ورث الوضع، ولم يُصححه ، أخنوش استفاد من الوضع ، وأبقاه كما هو.
الأول يتحمل مسؤولية القرار الأصلي ، والثاني يتحمل مسؤولية الصمت، والثالث يتحمل مسؤولية الاستفادة
والنتيجة؟ المواطن يؤدي الفاتورة، دائماً وأبداً.
لكن الكوميديا لا تتوقف هنا : ففي كل مرة يُطرح هذا النقاش، يتحول فجأة إلى معركة ولاءات بدل أن يكون نقاش سياسات.
وتجد أن من يدافع عن بنكيران في هذا الملف تحديداً يقع غالباً في أحد ثلاثة: إما جاهل بالملف الاقتصادي ولا يفرق بين التحرير وغياب الحماية ، أو متحيز حزبياً يضع الولاء قبل المصلحة العامة ، أو مغالط واعٍ يدافع عن الشخص لا عن الحقيقة .
والأخطر من ذلك، أن الدفاع عن بنكيران في هذا الملف يخدم -موضوعياً- أخنوش، لأنه يشتت المسؤولية ويُغرق المواطن في جدل عقيم حول الأشخاص بدل السياسات.
وهنا تصبح الصورة أكثر سخرية: الجميع يختلف، لكن الأسعار ترتفع في صمت.
والجميع يتجادل، لكن جيوب المواطنين تنكمش في صمت.
والجميع يتراشق بالمسؤوليات ، لكن المواطن يدفع الثمن وحده.
والحقيقة العارية هي و-بلا مجاملة- أن الخطأ لم يكن فقط في عدم التسقيف، بل في منظومة كاملة: غياب المراقبة ، ضعف مجلس المنافسة ، إقالة مسؤولين حين اقتربوا من الحقيقة ،غياب تدخل حكومي سريع وفعال ، غياب مجتمع مدني ضاغط …
وتبقى المفارقة الأكثر إيلاماً ، أن من قام بالتحرير، كان يملك الأغلبية البرلمانية الكافية لفرض التسقيف، لكنه لم يفعل؟
فكأن العملية كانت: “نحرّر السوق، ونترك المواطن يواجه قدره”.
وهنا تصبح العبارة الشعبية أكثر دقة من كل التحليلات الاقتصادية:
“دار العملية، وما طرزهاش” والنتيجة؟ تتوالى
الزيادات، تتوالد التبريرات ، وتأقلم المواطن مع ما لا يُطاق.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة رغم كل التعقيد: التطبيل للأشخاص يُغرق الشعوب، والنقد البنّاء -حتى لمن نحب -هو الوطنية الحقيقية ، وخاصة في ظرف استثنائي كالذي نعيشه اليوم، حيث الارتفاع غير الطبيعي للأسعار يفرض تدابير استثنائية من أي حكومة، مهما كان توجهها.
أما الخلاصة الساخرة -وربما المؤلمة- فهي أن المشكلة ليست فقط في من حرّر ، ولا في من صمت، ولا في من استفاد…
بل في:غياب مجتمع مدني حقيقي ، وضعف آليات العدالة والمراقبة ، وغياب دور المؤسسات التنظيمية ، وغياب مساءلة سياسية حقيقية…
وبين كل هذا وذاك، تبقى الأسعار ترتفع ، ويبقى المواطن المغربي ، موضوعاً دائماً للنقاش، لكن نادراً ما يكون موضوعاً للحماية.