مسرحية بالقطاع الصحي

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

مسرحية كان يمكن أن تكون فصولها على خشبة مسرح مكشوف، لكن انتهت — كما كثير من المسرحيات المتقنة الصنع — بتراجع بديع يستحق تصفيقًا من نوعٍ آخر: تصفيقُ من يقرأ نهاية القصة ويتيقن أن لا شيء تغيّر فعلاً.
المشهد الأول — تهديد من نوع رفيع:
دكتور الفاريسي، بحسب الرواية المتداولة، خرج يوماً مُمسكًا بمِقوَّمات المسرحية: تهديد بفضح ما وصفه بـ”مسرحية” تُقام داخل قطاع الصحة. قال: «صافي لن يفضح المسرحية، لأن التهديد ديالي وصل للمسؤولين وراه تجاوبو معي وحقّقو لي داكشي لي كان باغي». كلامٌ يلمع كعنوانٍ إثاري في صفحة أولى، ويعد بمشهد لن يُنسى.
المشهد الثاني — حضور مسؤول الموارد البشرية:
ولم تكتفِ المسرحية بوجود الممثلين الرئيسيين، بل استُدعِيَ مسؤول من الموارد البشرية بالرباط، فازدادت عناصر الإثارة. حضورٌ رسمي قد يجعل القصة تبدو ذات بعدٍ وطنِيّ، أو — في أقلّ التوقعات — يجعلها بروفةً لإطفاء النار قبل أن تشتعل.
المشهد الثالث — التراجع العظيم:
ثم جاء التراجع. مفردة واحدة قلبت موازين العرض: من مُهدّدٍ بفضح، إلى مُكتفٍ بالتستّر. تراجعٌ أوصل رسالة ضمنية مفادها: هناك من يملك القدرة على تحويل الصراخ إلى همس، والهمس إلى لُطف إداري. وبهذا يتحوّل المشهد من تهديد إلى دفتر محاضرٍ لا يُفتح.
فماذا كانت تلك «المسرحية» التي خشي منها الخائفون إلى درجة تجاوب المسؤولين معها؟ هل هو فسادٌ منظّم؟ أم صفقاتٌ صغيرة تُنكَشُ عن حقيبةِ دواءٍ أو تحوّلٍ وظيفي؟ أم مجرد خلافٍ مهني بين أطباء؟
الخيال واسع، لكن العقل يُصرّ: في مدينةٍ تعداد سكانها يقاربُ مليوني نسمة، ومع إقليمٍ كاملٍ يعتمد على هذا القطاع، ما الذي قد يكون أثقل من صحة الناس ليخضع للتعتيم؟
النكهة الساخرة:
نحن نشهد هنا عرضًا درامياً يربط بين ثلاث مهارات عالية: القدرة على التهديد، القدرة على الوصول إلى المسؤول، والقدرة على الاعتذار أو التراجع قبل نشر الفصل الأخير. إن اجتمع الثلاثة فهذه ليست مسرحية بل دورة تكوينية في كيفية تحويل الفضيحة إلى نُكتة إدارية تُروى في مجالس الضحك.
تخيلوا: تدريب في «فن التراجع» يحصل عليه كلّ من يريد أن يُنقِذ سمعة نفسه دون إنقاذ سمعة المُؤسَّسة، أو دون مساءلةٍ حقيقية. شهادة حضور من الموارد البشرية، توقيع، وقهوة صباحية — والمواطن يذهب لعيادته وهو لا يعرف إن كان الطبيب الذي رآه بالأمس سيردّ له الدواء الصحيح أم وعدًا شفهيًا بأن «ما كانش حتى مشكل».
نداءٌ جاد وسط السخرية:
أما إذا كان ما وُصف مجرد ادعاءات متبادلة ومناكفات شخصية، فليُحكم القانون. وإذا كان هناك تواطؤ أو مساومة أو تلاعبٌ بمصلحة المرضى — فالقضاء وحده القادر على رفع الستار وإصدار حكمٍ لا بدّ منه. النيابة العامة مطالبة، ليس لأننا عشّاق هيئة التحقيق، بل لأن صحة ما يقاربُ مليوني نسمة ليست موضوعًا لِبروفةٍ إدارية أو اعتذارٍ بالتغريد.
خاتمةٌ على نغمةٍ لا تُضحك:
إذا بقي القانون ضعيفًا أو مطاطيًا، فسنظلّ نطفئُ حرائق الغضب دائمة الاشتعال، نهرع بالمواساة والتصفيق وبيانات التنديد، من دون أن نعرف — كما قال المُعلّق — من أين يأتي الحطب. والمسارحُ ستبقى منتجةً للمشاهدِ الحزينة: تراجعات درامية، مسؤولون يربتون على الأكتاف، ومواطنون يدفعون ثمنَ بروفةٍ لا تُحترم فيها الحياة.
فهل نريد أن نتابع العرض أم نطالب بفتح الستار؟ الخيارات بسيطة: أو أن نكتفي بالضحك على المهزلة، أو أن نطلب من النيابة أن تفكك الشِبْكَة وتكشفَ ما بقي مُموّهًا. وهنا لا يصلحُ سوى قانونٍ يُطبّق، لا اعتذاراتٍ تُكتب بخط اليد وتُوضع في درجٍ لا يُفتَح.
وتبقى نهاية المشهد حتى إشعارٍ آخر.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *