مسرح التكامل 11

محمد خشلة

أستسمحكم لبداية هذه الورقة باستعارة بعض الفقرات من البيان الأول لمسرح التكامل الصادر في مارس من عام 1984.
… فلنفكر إذن بجدية في الثقافة التي يحتمها علينا هذا المستقبل، ما دمنا نهوى المسرح، بعد أن أخذناه عن أسلافنا، واطلعنا على هذا الفن الذي لم يجد له بعد طريقا إلى حياتنا، ومند أن اهتم به الأديب المغربي الغير ” المتكلنج “. فإذا تمكنا من إحصاء كل المهتمين بالمسرح مند البداية، سنجد أن الأقلية القليلة منهم من كان لهم اطلاع عن ” التكنولوجيا “. وأن أغلب النصوص الدرامية مستوحاة من مجتمع يغلب عليه الطابع البدوي القروي، إذا سلمنا أن المدينة المغربية في القرن العشرين لا ترقى إلى الشكل الذي يسود في الغرب والذي يصلنا عن طريق وسائل الإعلام … يجب إذن هدم المسارح المغربية – على قلتها – مثلما فعل بالمسرح البلدي بالبيضاء – أو الاحتفاظ ببعضها كشاهد على هذه الحقبة من تاريخ المسرح بهذا البلد، لأن تجهيزاتها لن تكون صالحة للمسرح الذي يواكب التغيير المرتقب، المسرح الذي يجب أن يتحدى التكنولوجيا، المسرح الذي يشرع ” أصدقاء المسرح المغربي ” بمدينة فاس في وضع وإرساء لبناته الأولى. لأنهم ينتمون إلى هذا الشباب الأدبي تكنولوجيا، والذي يعي جيدا تجاوز المصابيح التي تأتت مسارحنا وكذا طريقة استعمالها، تقسيم الخشبة والخطاب المسرحي نفسه يجب إعادة النظر في مضامينه. كما ينبغي للفرق المسرحية المستقبلية أن تكون خالية من كل نوع من الأمية الأدبية كانت أو التكنولوجية. ثانيا أن يكون أفرادها على اطلاع بالسيكولوجيات المتطورة. وثالثا، رجل المسرح مستقبلا يجب أن يكون موسوعي الاطلاع لأن التكنولوجية سوف تسهل له الوصول إلى جميع أنواع المعرفة، وحتى يتمكن من انتاج الخطاب الجديد الذي يفرضه عليه التغيير المرتقب (للاطلاع على نص البيان في ورقة مسرح التكامل 3)
بعد مضي 42 سنة بدأت تظهر على خلفية المشهد المسرحي المغربي مفارقة عجيبة / غريبة، هناك الممثلون المغاربة يحتجون ضد البطالة التي تضرب الوسط الفني والمسرحي على الخصوص ومن جهة نسمع عن تنظيم ندوات ولقاءات حول آفاق الابداع في عصر الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي وتوظيف التكنولوجيا في خدمة الابداع مع التأكيد على ضرورة مواكبة التحولات الرقمية برؤية نقدية ومسؤولة … في سنة 1984 كنا نشرنا بيان مسرح التكامل الأول وأصررنا فيه أن العالم بدأ يشهد الكثير من المتغيرات بحكم اكتساح التكنولوجيا للكثير من مجالات الحياة وكذلك الوسط الفني والمسرحي على الخصوص وعلى الفنان المغربي مواكبة هذه التحولات في بدايتها إن أراد أن يجد له موطأ قدم في المستقبل القريب حيث سوف تكون التكنولوجيات الحديثة هي عماده وأساس كل تطور… فكيف يمكن أن نفكك هذه المعضلة التي تلوح في الآفاق؟
هذه المعضلة ليست نتيجة تناقضً سطحيً، بل هو تصدّع بنيوي داخل الحقل المسرحي المغربي: احتجاج على البطالة من جهة، وخطاب عن الذكاء الاصطناعي والوسائط الرقمية من جهة أخرى… هذا ليس عبثًا، بل هو علامة انتقال غير مكتمل. وليست مفارقة… بل فجوة زمنية.
في هذا المشهد نرى الممثل يعيش أزمة معيشية آنية والخطاب الثقافي يتحدث عن مستقبل رقمي والمؤسسة تناقش “آفاق الإبداع” والسوق لا يستوعب الفنان. إذن نحن هنا أمام زمنين لا يلتقيان: زمن اجتماعي / اقتصادي ضاغط وزمن تنظيري / مستقبلي متقدم. الفجوة ليست بين المسرح والتكنولوجيا بطبيعة الحال، بل بين الخطاب والواقع الإنتاجي.
أزمة العمل ليست ناتجة عن التكنولوجيا. هل نستطيع أن نتكلم على أن الذكاء الاصطناعي أصبح يشكل تهديدا مباشرا للممثل. بالطبع لا لأن البطالة في الوسط المسرحي المغربي (كما في سياقات مشابهة) سبقت الذكاء الاصطناعي بكثير. نعلم جميعا أنها مرتبطة بـ: هشاشة البنية الإنتاجية، محدودية السوق الثقافي، ضعف التكوين الاحترافي المتجدد وغياب صناعة مسرحية فعلية. إذن التكنولوجيا هنا ليست سبب الأزمة، بل تكشف هشاشتها.
الخوف من الإزاحة الرمزية حين يُطرح موضوع “المسرح الذكي”، يشعر بعض الفنانين بأن الجسد سيفقد مركزيته وأن التقنية ستصبح بطلة العرض وأن الخوارزمية ستنافس الإنسان. لكن الخطر الحقيقي ليس في التكنولوجيا، بل في غياب تصور واضح لدورها. إذا دخلت التكنولوجيا كبديل، فهي تهدد. أما إذا دخلت كوسيط تكاملي، فهي توسّع المجال بدل أن تضيقّه.
نحن هنا في الحقيقة أمام صراع نموذجين
نموذج 1ـ المسرح كوظيفة تقليدية: ممثل، نص، إخراج، دعم محدود وجمهور محدود.
نموذج 2 ـ المسرح كجهاز حضاري متجدد: تكامل فنون، تكنولوجيا، تفاعل، أشكال إنتاج جديدة وجمهور رقمي وميداني. المعضلة ليست: هل نحتج أم نرقمن؟ بل: هل نبقى في نموذج لم يعد ينتج فرصًا كافية؟ حين نشرنا بيان مسرح التكامل سنة 1984، كنا نستشرف أن التكنولوجيا ستعيد تشكيل الحياة وأن الفن الذي لا يتكيّف سيفقد موقعه. اليوم، ما يحدث ليس نفيًا لذلك البيان، بل تأكيد متأخر له. لكن التحدي هو: كيف ننتقل من الاستشراف النظري إلى التحول البنيوي؟
أو بصيغة تكاملية: هل التكنولوجيا ستقضي على الممثل؟ هل الممثل مستعد لأن يعيد تعريف ذاته داخل مكينة جديدة؟ لأن ما يعيشه اليوم ليس عبثًا، بل مرحلة انتقالية مؤلمة. وكل انتقال حضاري يولد الخوفً، يولد المقاومة ويولد سوء الفهم. لكن أيضًا يولد أشكالًا جديدة. ومشروع “مسرح التكامل” يمكن أن يكون إطارًا لتجاوز هذه الازدواجية، إذا تحوّل من بيان فكري إلى رؤية استراتيجية. في كتاب “المكينة المسرحية” لا أتحدث عن إضافة تقنيات إلى العرض، بل عن تحوّل في بنية الصناعة المسرحية نفسها حول العالم. وهنا تكمن المعضلة. لأننا هنا أمام تحوّل في “نمط الإنتاج المسرحي”. وإذا عدنا إلى مفهوم Walter Benjamin حول “العمل الفني في عصر إعادة الإنتاج التقني”، سنفهم أن التكنولوجيا لا تغيّر شكل العرض فقط، بل تغيّر علاقة الفن بجمهوره وبآليات إنتاجه. اليوم لم يعد العرض المسرحي يقوم فقط على مؤلف ومخرج وممثلين وسينوغراف وتقنيين تقليديين. بل أصبح يحتاج إلى مصمم أنظمة رقمية ومبرمج تفاعلي ومهندس فيديو ومختص واقع افتراضي ومهندس صوت رقمي وتقني أتمتة وروبوتات. وهنا يحدث الانكسار البنيوي، المسرح المغربي يناقش “التحول الرقمي” خطابياً، لكنه لا يمتلك البنية البشرية والتكوينية التي تسمح بتجسيده. مما يجعل المفارقة لا تكون تقنية… بل مؤسساتية. والمعضلة لا تكمن في غياب الأفراد فقط، بل في غياب:
1. مسارات تكوين هجينة (فن + تكنولوجيا)
2. شراكات بين المعاهد الفنية ومدارس الهندسة
3. سياسات دعم تعتبر العرض المسرحي مشروعاً إنتاجياً لا فقط نشاطاً ثقافياً
4. رؤية تعتبر المسرح جزءاً من “الصناعة الثقافية” لا مجرد ممارسة رمزية
بعبارة أخرى نحن أمام فجوة بين “الوعي النظري” و”التحول البنيوي”.
فكيف إذن ننتقل من الاستشراف إلى التحول البنيوي؟
1ـ على مستوى التكوين
يجب اكتساب مهارات رقمية، تصميم تفاعلي، الاشتغال على الوسائط في تكوين الممثل، ليس لتحويله إلى تقني، بل لجعله فاعلًا في النظام الجديد. يجب خلق مسارات مزدوجة داخل المعاهد: مسرح + برمجة، مسرح + تصميم تفاعلي ومسرح + هندسة صوت وصورة. النموذج هنا ليس فنياً فقط، بل صناعي معرفي.
يمكن استلهام تجارب مثل:
* MIT Media Lab
* Royal Shakespeare Company في تعاونها مع شركات تكنولوجية
2 ـ على مستوى الإنتاج
يجب خلق نماذج عروض هجينة، خلق شراكات مع مؤسسات رقمية، خلق منصات عرض بديلة، إنشاء مختبرات تجريبية (Laboratoires) داخل الفرق المسرحية، حتى لو كانت صغيرة، لتجريب:
* الإسقاط الرقمي
* التفاعل الحي
* البرمجيات المفتوحة المصدر
* أدوات الذكاء الاصطناعي
التحول لا يبدأ بمشاريع ضخمة، بل بنماذج أولية.
3 ـ على مستوى الرؤية الفكرية
يجب تغيير السردية من “التكنولوجيا تهددنا” إلى “كيف نعيد امتلاكها فنياً؟” وبالتالي فإن المفارقة التي يعيشها المسرح المغربي اليوم لا تكمن في التناقض بين الاحتجاج على البطالة والحديث عن الذكاء الاصطناعي، بل في غياب مشروع تكاملي يربط التحول التكنولوجي بالبنية الإنتاجية والتكوينية للمسرح. فالتكنولوجيا ليست خصمًا للفنان، وإنما تصبح كذلك حين تدخل دون تصور نظري يؤطر علاقتها بالجسد والحدث الحي.
في بيان 1984 أعلنا أن التكنولوجيا ستكون عماد التطور المسرحي. المشكل أن الوسط الفني المغربي لم يعتبر ذلك “ضرورة وجودية”، بل اعتبرها “ترفاً فنياً”. بينما اليوم، إن لم يتحول المسرح إلى فضاء يواكب الوسائط الجديدة، فإنه يفقد جمهوره لصالح المنصات الرقمية والألعاب التفاعلية والواقع الافتراضي. وهنا نستحضر ما ذهب إليه Marshall McLuhan: أن الوسيط هو الرسالة” / أي أن شكل الوسيط يحدد شكل الوعي. إذا تغير الوسيط ولم يتغير المسرح، فإنه يفقد “حبله السري” مع المجتمع.
4 ـ ما الذي يحدث فعلياً في المغرب؟
ما يحدث الآن هو احتجاج على البطالة وخطاب حول الذكاء الاصطناعي وغياب للبنية التحتية البشرية وهذه ليست مفارقة عبثية، بل نتيجة طبيعية لتأخر التحول البنيوي ـ وهذا أخطر ما في الأمرـ لأن الانتقال لن يكون بقرارات إدارية، بل بخلق جيل جديد من “الفنان المهندس”. وهنا نعود إلى مسرح التكامل واقتراح المسرح المركّب” أو الفنان التكاملي”، وهو الفنان الذي يفهم الجسد، يفهم الخشبة، يفهم البرمجة ويفهم الوسيط الرقمي. ليس المطلوب أن يصبح الممثل مبرمجاً محترفاً، بل أن يفهم لغة التكنولوجيا كما يفهم لغة الجسد. التحول البنيوي في غياب الخبرات لا يبدأ بالخبراء، بل ببناء الحاجة إليهم.
* نخلق مشاريع صغيرة
* نكوّن أطر هجينة
* نربط المسرح بالجامعة والمدرسة الهندسية
* نعيد تعريف “المهنة المسرحية”
وهنا تتحول نبوءة بيان 1984 من الاستشراف إلى برنامج عمل للإجابة على السؤال الجوهري لهذه الورقة: هل ما زال المسرح قادراً على أن يكون فاعلاً تربوياً وثقافياً في زمن المكينة الرقمية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *