مشروع دمج “كنوبس” و”سنسّس «”والتعاطي الحربائي للنقابات !

حميد طولست

في مشهد نقابي لا يخلو من التناقض الفج والانتهازية السياسية، عادت إلى الواجهة بعض النقابات التي لفظتها الساحة الاجتماعية، وعلى رأسها الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، في محاولة يائسة لفرض الذات من جديد على رقعة لم تعد تؤمن بوعودهم ولا بشعاراتهم.
آخر فصول هذا الانفصام السياسي-النقابي تجلى بوضوح في موقف هذه التنظيمات من مشروع قانون دمج الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي “كنوبس” بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي “سنسّس”، وهو المشروع الذي أثار ولا يزال جدلاً واسعًا، بالنظر إلى تداعياته المؤسساتية والاجتماعية.
فبينما خرجت عدد من النقابات ببيانات نارية وتصريحات إعلامية تندد بالدمج وتعتبره تهديدًا لمكتسبات الشغيلة، كانت الحقيقة الميدانية داخل لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين مغايرة تمامًا: التصويت بـ”نعم” لصالح المشروع. باستثناء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، التي انسجمت مع خطابها ورفضت المشروع من داخل اللجنة وخارجها، سقطت باقي النقابات في فخ النفاق السياسي والنقابي.
الأكثر إثارة للجدل كان تبرير ممثل الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، خالد السطي، الذي حاول الالتفاف على تناقض التصويت بادعاء أن التصويت داخل اللجنة كان “تحضيريًا فقط”، وأنه جاء بغرض “فسح المجال للحكومة لمراجعة موقفها من التعديلات المقترحة”! تبريرٌ لا يقنع حتى أشد المدافعين عن منطق المراوغة النقابية، فهل أصبح التصويت مع القانون وسيلة للاحتجاج عليه؟! الأمر الذي جر على السطي ونقابته ردود الفعل الكثير من الناشطين الذين لم ينسوا بعد مواقف هذه النقابات – خصوصًا المرتبطة بالحزب الذي قاد الحكومة لعشر سنوات – من ملفات مفصلية سكتوا فيها عن رفض ابن كيران ترقية أساتذة الابتدائي والإعدادي إلى خارج السلم، والتصويت في عهدهم الحكومي ضد ترقية الأساتذة؟ ضد قانون التقاعد المشؤوم؟ ضد قانون الأجر مقابل العمل؟”.والآن يدافعون عنها كأنهم كانوا في الصفوف الأمامية دائمًا”.
هذه التعليقات ليست سوى خلاصة شعور متراكم لدى شريحة واسعة من المواطنين، ترى في عودة هذه التنظيمات مجرد مسرحية بائسة لإعادة تدوير رموز فقدت المصداقية النقابية والسياسية، بعد أن تحوّلت في لحظة ما إلى ذراع حكومي يصفق للقرارات المجحفة بدل أن يواجهها.
ما لم تفهمه بعض النقابات، هو أن الزمن تغير. فالوعي النقابي لم يعد يقاس بعلو الصوت أو حدة الشعارات، بل بمدى الانسجام بين الموقف والممارسة، وبالقدرة على تمثيل هموم الشغيلة بعيدًا عن الحسابات الحزبية الضيقة. لأن هذا النوع من السلوك النقابي الملتبس لا يمكن فهمه من خارج السياق السياسي العام، الذي يعرف فراغًا متناميًا في الوساطة الاجتماعية، بعد التآكل التدريجي للمصداقية الذي مسّ معظم التنظيمات الحزبية والنقابية. فبعد سقوط الأقنعة خلال العقد الماضي، وتحديدًا في تجربة حزب العدالة والتنمية التي انكشفت عوراتها الاجتماعية والاقتصادية، وجدت الذراع النقابية المرتبطة به – الاتحاد الوطني للشغل – نفسها منبوذة من طرف القواعد التي كانت تؤمن بخطابها “الإصلاحي”.
ومع التراجعات الكبرى التي طبعت سنوات تدبير العدالة والتنمية للحكومة (من إصلاح التقاعد إلى التعاقد، ومن تجميد الأجور إلى ضرب القدرة الشرائية)، لم تكن النقابة سوى واجهة شكلية تُجمّل السياسات، بدل أن تواجهها. وبالتالي فإن هذه “العودة” اليوم ليست بريئة، بل تُقرأ على ضوء محاولة استرجاع موقع داخل الحقل السياسي بعد الانهيار الانتخابي المدوي في 2021، ومحاولة بناء رأس مال رمزي جديد عبر ركوب موجات احتجاجية لا تملك فيها لا الشرعية ولا المصداقية.
هذا المشهد يُعيدنا إلى سؤال جوهري: هل تصلح النقابات التي خانت الشغيلة بالأمس لأن تتحدث باسمهم اليوم؟ وهل يمكن لتنظيمات فقدت ثقة الناس أن تتصدر الدفاع عنهم؟ أم أن ما نشهده هو مجرد إعادة انتشار لقوى لفظها الوعي الشعبي، تحاول أن تستعيد مواقعها بالتكتيك لا بالمبدئية؟
إن التناقض بين الخطاب التضاربي لبعض النقابات وتصويتها الفعلي لصالح مشروع قانون دمج “كنوبس” و”كنسّس” لا يمكن فصله عن صيرورة تاريخية أكبر من الانكفاء النقابي واعتماد التكتيك السياسي على حساب الثوابت الاجتماعية. فقد أعلنت نقابات، وعلى رأسها الاتحاد المغربي للشغل (UMT) والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب (UNTM)، رفض مشروع دمج CNOPS في CNSS في بيانات رسمية نددت بأسلوب صياغته الأحادي وتجاهله للحوار الاجتماعي ، في المقابل، أظهرت واقعية اللحظة الاعتبارية حيث وقع نفس ممثليها داخل لجنة مجلس المستشارين على خيار “النعم” بصيغة تصويت ما قبل نهائي، بادعاء أن الأمر مجرد “مرحلة تحضيرية” لتمكين الحكومة من مراجعة التعديلات قبل الجلسة العامة .
هذا الاتكاء المزدوج، بين رفض إعلامي وتصويت ميداني، لا يفسر فقط ضعف الثقة المتراكمة لدى القواعد التي تقول إن الهوة بين القول والفعل أصبحت سحيقة، بل يسلط الضوء أيضًا على إعادة تموقع سياسي مشبوه بعد تجربة حزب العدالة والتنمية التي شهدت نفورًا شعبيًا واسعًا وسقوطًا انتخابيًا مدويًا سنة 2021. فالنقابات المرتبطة بأطر هذين الحزبين ظنت أنها يمكن أن تستفيد من احتجاجات اجتماعية لترضخ لمصلحة إعادة بناء رمزية مفقودة، دون أن تدرك أن مقاعد النقابة لم تعد مكانًا للتزلف الإعلامي بل لمنح المصداقية المفقودة آثارًا حقيقية.
وفي هذا السياق، لا بد من طرح السؤال المركزي: هل تملك نقابة خانت مطالب الشغيلة بحكم تأييدها لسياسات حكومية مجحفة – كالتقاعد والتعاقد وتجميد الأجور – القدرة اليوم على استرجاع الثقة؟ الإجابة تُشير إلى أن الاستعادة لا تكون بالمناكفة ولا بالمناورة، بل بالأفعال الواضحة والمسؤولة، وعلى النقابات إثبات قدرتها على مواجهة المشاريع الفردية والأحادية حتى بعد توالي التصويبات البرلمانية. ومادامت هذه التنظيمات، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، تصر على اللعب على الحبلين: بين المعارضة الإعلامية والتواطؤ المؤسساتي، فإنها لن تجني سوى مزيد من العزلة. فالثقة ا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *