معركة “الهاتف” في الامتحانات المغربية: متى ننتقل من “التعايش” إلى الحزم الجذري؟

 بدر شاشا
لا يختلف اثنان على أن الامتحانات، سواء كانت إشهادية كالبكالوريا، أو جامعية، أو مباريات لولوج الوظيفة العمومية، هي “مقدس” تكافؤ الفرص. هي اللحظة التي يجب أن يتساوى فيها ابن الفقير مع ابن الغني، والمجتهد مع من قضى السنة في لهو. لكن، وفي ظل الثورة الرقمية، تحول “الهاتف الذكي” من أداة تواصل إلى “غول” يهدد مصداقية الشواهد المغربية ويزرع اليأس في نفوس المستحقين.
واقع الحال.. تكنولوجيا في خدمة “الغش” : 
رغم القوانين الزجرية، ورغم “العصا” القانونية التي تلوح بها الوزارات المعنية، لا نزال نشهد في كل موسم امتحانات صوراً وفيديوهات لعمليات تسريب ممنهجة. السؤال الذي يطرحه المواطن الغيور: كيف يدخل الهاتف أصلاً إلى قاعة الامتحان؟ إذا كنا نتحدث عن الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن التساهل في تفتيش الهواتف عند المداخل ليس مجرد “هفوة”، بل هو ضرب في عمق العدالة الاجتماعية.
لماذا المنع الكلي هو الحل الوحيد؟ : 
الشفافية لا تُبنى بالنوايا الحسنة، بل بالآليات الصارمة. إن المنع الكلي لدخول الهاتف لأسوار المؤسسة التعليمية أو مراكز التفتيش خلال فترة الامتحان هو “الكي” الذي تحتاجه جراح منظومتنا:
التفتيش الدقيق كواجب وطني: لا يجب أن يُنظر للتفتيش كإهانة للطالب أو المترشح، بل كحماية لحقه. في مباريات الأمن والجيش نرى صرامة منقطعة النظير، فلماذا لا تُعمم هذه الصرامة في مباريات التعليم والتوظيف والجامعات؟
إنهاء عصر “المقاهي المجاورة”: لم يعد الغش فردياً، بل أصبح منظماً عبر مجموعات “واتساب” و”تيليغرام”. منع الهاتف يعني قطع الشريان الأبهر لهذه الشبكات التي تتاجر بمستقبل الأجيال.
هيبة المؤسسة: عندما تمنع الدولة دخول الهاتف بشكل قطعي وتوفر صناديق آمنة لإيداعه خارج القاعات، فهي تعطي رسالة قوية بأن “الاستحقاق” هو العملة الوحيدة المقبولة داخل هذا الحرم.
المسؤولية المشتركة : 
إننا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في سياسة “التنديد” بعد وقوع الفأس في الرأس، أو تبني بروتوكول أمني تربوي صارم يبدأ من عتبة باب المؤسسة. لا معنى لآلات التشويش الباهظة إذا كان الهاتف لا يزال يجد طريقه إلى جيب المترشح.
إن إنقاذ سمعة الجامعة المغربية والمدرسة العمومية يمر حتماً عبر تجفيف منابع الغش الرقمي. نحن لا نطالب بالمستحيل، بل نطالب بالعدل الذي يبدأ بـ “تفتيش دقيق” وينتهي بـ “نجاح مستحق”. كفانا تساهلاً، فمستقبل المغرب يُبنى في قاعات الامتحانات، ومن غشنا فليس منا، ومن غش وطنه فقد خان الأمانة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *