مغربان في وطن واحد: المغرب الرسمي والمغرب المنسي

حطاب الساعيد

في كل مرة تصعد فيها نخبة جديدة إلى دواليب الدولة، يتجدد الخطاب الرسمي عن “العدالة المجالية” و”الإنصاف الاجتماعي”، لكن الواقع يكذب الخطابات، ويؤكد أن المغرب يعيش فعليا بانقسام عمودي خطير: مغرب رسمي يتمتع بكل الامتيازات، ومغرب منسي يترك لمصيره بين الفقر والتهميش.

المغرب الرسمي هو مغرب الرباط والدار البيضاء ومراكش والعيون وطنجة. وفاس .. مغرب المشاريع الكبرى، والواجهات العصرية، والجامعات الدولية، والمستشفيات المجهزة، والطرقات السريعة، والموانئ الذكية، و”المواطن الممتاز” الذي تفرش له الأرض بالبرستيج والتسهيلات. هنا يوزع الريع، وتطبخ الصفقات، وتمنح المناصب لأبناء “الدار”، بينما تحاصر الرقابة والمساءلة.

أما المغرب المنسي، فهو الأطلس ومناطق “ما وراء التنمية”، حيث لا مستشفى ينقذ، ولا مدرسة تعلم، ولا طريق يعبد، ولا مسؤول يقترب إلا مع الحملات الانتخابية أو الكوارث الطبيعية. هنا المواطنون ليسوا إلا أرقاما في سجلات الدعم، أو سلعة انتخابية موسمية.

هل يعقل أن يستمر هذا التعايش اللاتكافؤ داخل وطن واحد؟ كيف لمواطن في بولمان أو ميدلت أو فكيك او املشيل … أن يصدق أنه ينتمي لنفس الدولة التي تنفق الملايير على تنظيم التظاهرات والمهرجانات في الرباط أو مراكش، بينما لا يجد هو مستوصفا أو قنطرة لعبور الوادي؟.
الدولة العميقة، التي تتحكم فعليا في تدفق المشاريع وتوزيع النفوذ، تعرف جيدا هذا الانقسام، لكنها تستثمر فيه. تبقي المغرب المنسي خاضعا ومحتاجا، بينما تحصن المغرب الرسمي بالثروة والسلطة والإعلام. وتنتج “مغربا جميلا” للتصدير، و”مغربا مهمشا” للإذلال.

لقد حذر الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله من هذه الفجوة الطبقية حين قال: “إذا لم نعالج الفقر، ستصبح الفجوة هوة، والهوة ثورة.” واليوم، الفجوة ليست فقط طبقية، بل مجالية وثقافية ووجدانية.

فالشعب المغربي لا يحتاج إلى مغربين داخل وطن واحد، بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة تعيد بناء الدولة على أساس العدالة لا الولاء، الكفاءة لا القرابة، والمواطنة لا التبعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *