مفهوم الوعي القرائي من منظور البعد الهيرمينوطيقي

إنجاز: الغزيوي أبو علي

دة  بن المداني ليلة

تمهيد:

إذا كان كل فكر وليد واقعه ومساهم في تأطيره، فإن القراءة قد أثارت حولها العديد من النقاشات بين الباحثين قدماء ومحدثين، لأنها محكومة بقوانين ومعايير خاصة، لذا سأحاول في هذا الموضوع أن أتعرض لمفهوم القراءة وأيضا أنواعها وأخيرا كيف يقرأ المتلقي؟ وكيف يؤول؟ وكيف تناولت الدراسات النقدية هذا البعد القرائي؟ وانطلاقا من هذه الأسئلة التي هي عبارة عن استراتيجية تربط النص بالقارئ لجعله فاعلا أو منفعلا، لذا كثر التأويل حول النص سواء من وجهة تاريخية أو نفسية أو اجتماعية، ومن ثم ظهر ما يسمى بالمؤلف والقارئ، والنص لأن مصطلح الهيرمينوطيقا في تناولها للنص هو مفهوم يوناني ظهر عند أفلاطون وأرسطو وعند هوميروس إلا أنها اتخذن عدة أوجه في الفضاء الغربي وخاصة في ظل تفسير الكتاب المقدس من طرف الكاثوليكيين، فميزوا بين البعد النحوي والبعد الرمزي، عارضين براعتهم الفكرية والتداولية التي تنم عن قدرة إدراكية برهانية وصوتية ومعجمية أكثر ما تنم عن قدرة ماهوية، لذا سعت هذه الرؤية إلى تأسيس زوايا أخلاقية وتربوية مؤسسة على بعد ايديولوجي، رافضين أي اختلاف تأويلي أو منهجي، لكن مع التحولات الفكرية والسياسية ظهر دعاة الإصلاح لمواجهة هذا الجدار المقدس لمعرفة الحقيقة المضمرة والمقنعة كما يرى مارتن لوثر، فالإجابة عن هذا الطرح يقتضي منا الإجابة عن أسئلة كثيرة من قبيل: هل يمكن أن نحصر القارئ أو المؤلف في إطار نص مغلق؟ وكيف يحسن القارئ داخل النص؟ وهل من سلكة للمؤلف على القارئ؟ وهل الوعي الجمالي يكون منعزلا عن حياتنا الواقعية بكل تجلياتها الاجتماعية والأخلاقية؟ أسئلة تأخذ طابعا جنيالوجيا وحفريا فهي جنيالوجية لجهة تتبعنا لتطور البعد الهيرمينوطيقي والفينومينولوجي لذا نجد شلاير ماخر قد تجاوز في قراءاته هذا الحس المقدس قصد الانخراط في ما هو اجتماعي وإنساني لمعرفة من يتحدث؟ ومن أنفسنا نحن؟ لأن البعد التأويلي حسب شلايرماخر لا ينبغي أن ينحصر في غلاف النص لكي يعيد القارئ تشكيل فضاء النص عبر عملية التطور اللغوي والتأليف وهذا ما نجده في الدراسات الفيلولوجيا الكلاسيكية التي لازالت تمارس في تعليمنا المعاصر.

القراءة والتحولات النصية:

إن القارئ عليه أن ينخرط في تضاريس النص لمعرفة البعد الخيالي والأسلوبي والجمالي والمعجمي والدلالي الذي يبنيه المؤلف وأيضا الاقتراب من الهيرمينوطيقا النفسية والاجتماعية كما يرى أدونيس في كتابه “زمن الشعر” ص25، إذن فالمسألة تتجاوز مجرد طرح لقضية تأويلية لتمتد إلى هموم إنسان هذا العصر، والتي يمكن أن نستشعرها  عندما نكون إزاء باحث يدرس عبقرية فلسفية ونقدية مثل هذا الموضوع، لأن قضية الإبداع من منظور تأويلي يتحول إلى تساؤل مصيري حول الرغبة في التغيير والقدرة على الفعل، وينبغي أن نعترف كما تقول بن المداني ليلة، أن كل مبدع يملك الرغبة، لكنه كان يمارس الجهل على استحياء في ظل مخاوف أرثتها التقاليد والعادات، وليس هناك شك في أن أفكار الناقد المؤول المتعلقة بالحوار مع المؤلف، وتناهي الفهم الإيديولوجي والوعي التاريخاني قد أمدنا شيئا من الجرأة التي جعلتنا نبث بعض أحلامنا وأوهامنا في ثنايا النص، وذلك على النحو الذي يحقق للباحث شيئا من الحضور المعتقد، لذا نجد شلايرماخر صنع لنا دائرة هيرمينوطيقية التي من خلالها يستطيع القارئ المبدع من فهم وتفسير كل هذه العناصر الجزئية والكلية التي تدور في دائرة لا نهائية، مما يعني عدم وجود بداية ونهاية كما يرى الطريسي أعراب في كتابه الشعرية ص36، فالحقيقة أن الانطلاق من فكر المؤلف الذي يتحد فيه الذاتي بالموضوعي والمهر بالجوهر والشكل والمضمون يجعلنا ندرك أن النظرية العلمية لا تنشد التطبيق دائما، وأن مثل هذه النظريات تتمتع بمسحة خاصة من الجمال يستمد قوامه ووجوده من تلك البهجة التي يستشعرها الباحث لحظة الاستكشاف والمعرفة، بهجة اكتشاف الباحث ولذة معرفة المتلقي، جادامير مفهوم الوعي الجمالي ص254، فالواقع أن خصوصية القراءة ليست عبارة عن مشروعية ادعاء الحقيقة في النص، فهي ليست من المسائل التي يمكن التسليم بها بإطلاق من قبل العامة، لذا اتخذ هذا التالوت المقدس تأويلات وشروحات متعددة وآليات متنوعة لسبر أغوار العمل المدروس، وهذه الآليات يمكن ربطها بالبعد الهيرمينوطيقي، والفينومينولوجي، وجمالية التلقي، ونقد الثقافي، فهذا الوعي ينطوي على أسلوب فهمنا للنصوص أو خبرتنا بها، لأن البداهة تقتضي أن كل وعي تأويلي هو عبارة عن خبرة ذاتية مسترشدة بهذا الوعي التأويلي (أو علوم الروح)، فجدامير في مشروعه النقدي لم يكن بسيطا، بل مركب من رؤى فلسفية متنوعة (هوسلر – هيدجر) جعلته يتجاوز الوعي التاريخي والجمالي الذي ساد العصور الكلاسيكية، حيث أعاد قراءة الأعمال الفنية السطحية لفهم المعنى بوعي جمالي (الوعي الجمالي ص126).

التأويل والتجربة الإبداعية:

إن الظاهرة التأويلية اختبار لتجربة التراث واللغة والتاريخ، لأن سيكولوجية القياس والتقويم عامة عرفت تغيرات عميقة، وذلك بفعل ظهور النقد الاجتماعي وتطوره في مجال تشخيص الاضطرابات النفسية لذا يصير الفهم عبارة عن عملية التفكير للإنتاج العقلي الأصلي انطلاقا مما تبدعه العقول حسب شلاير ماخر وريكور وغادامير، فرغم هذا الادعاء الغير البراني فإنهم اختلفوا في الفهم والتأويل، جاعلين من هذين البعدين الفينومينولوجيا والتأويل لعبة متفاوتة في الدرس والتأويل والتوظيف والممارسة، فريكور بدوره يتحدث عن تخريب للفينومينولوجيا من قبل الهيرمينوطيقا (من النص إلى الفعل) de texte à l’action p28، لكن هيدجر ولاهوسرل لم يبنيا لنا هذه العلاقة ولا هذا التوتر المزعوم بينهما فهوسرل ينظر إلى البعد الهيرمينوطيقي نظرة احتقار، حيث يرى فيه مجرد تاريخانية مقنعة، لأنه يهدف إلى إبراز خصوصية القصدية رغم أنها إحدى مكونات البعد التأويلي، لكن اليومي بأركانه يمكن أن نجده بدون وعي قصدي وهذا الارتباط بين المعطى والقصدي هو ما ينبغي أن يبرز بما أنه يعني العودة إلى الأشياء ذاتها إلى القصدية وهو ما تسميه الفينومينولوجيا هيرمينوطيقا، (المنعرج الهيرمينوطيقي للفينومينولوجيا جان غراندان ص138 – 13).

التأويل من منظور فلسفي:

لكن هيدجر في مشروعه الهيرمينوطيقي يهدف إلى إبراز ما هو غير معطى داخل المعطى، وهذا المضمر لا يملك منطقا زمكانيا، لذا فالتأويل بدون فينومينيا عمياء، والهيرمينوطيقا بدون التأويل تبقى خاوية، لذا يبحث عن لغة جديدة للكائن، فعبرها يمكننا أن نسكن العالم، وهذا التصور اللغوي هو عبارة عن أرضية التي من خلالها نعرف الصور الأولية للفهم وأيضا العليا حسب دلتاي، لأن القارئ يحاول أن يفهم ما يقوله النص إلى حد الاندماج الوجداني والشعوري، لأن التأويل حسب دلتاي ليس عبارة عن لغة بسيطة وسطحية، بل هي نشاط سيكولوجي يهدف القارئ عبره إلى معرفة من؟ وكيف؟ ولماذا؟ فهذه الأسئلة تحتم علينا إذا ما أردنا استيضاح شروط صلابة الفهم المتمحور حول تمظهرات الحياة الفنية والأدبية التي انتظمت داخل تموضعات معينة، (جان غراندان) ص143، وانطلاقا من هذا الطرح فإذا أردنا أن نفهم المعاني المحددة لأجزاء من الوحدة اللسانية، فيجب علينا أن نتخذ طريقا من خلال هذا الإدراك الأولي للمعنى الكلي، على أننا نستطيع أن نفهم معنى الكل من خلال معرفة معاني أجرائه المكونة فحسب، وهذا الطرح الاستنباطي لا يستقيم إلا بعملية الفهم لأنه يعد جزءا من الوجود الإنساني ذاته حسب هيدجر (الوجود والزمن) الفقرة 54، فالرحلة الهيرمينوطيقيا ستكون العنوان الأبرز للدراسات المعاصرة، فمنها من اعتمد على النص، وهناك من اعتمد على اللغة، وهناك من اعتمد على الفهم والقصدية أو من خلال البعد النفسي، أو التفسيري أو النحوي، لذا أكد هيدجر أن فهم النص لا يتم إلا من خلال الجذرة الذاتية للمؤلف، أو من خلال الخبرة الذاتية للقارئ أو من خلال النص نفسه، لأن فهم النص لا يتم كما قلت إلا من التوتر والصراع وحوار مبطن برؤية وجودية واستيبيقية، كل هذا يدفعنا لمعرفة العالم المحجب عن طريق مقولات النطق التي يسميها بالتأكيد وأيضا بالتفسير والفهم، وبهذا تقول الباحثة بن المداني ليلة أن الموقع التأريخي للقارئ أساس وجوهر عملية التأويل، فغدامير بدوره تمنى طرحا مغايرا وخاصة في كتابه “الحقيقة والمنهج” حيث عبره تجاوز الوعي الجمالي والتاريخي لأن العلاقة بينهما لابد أن تبقى محل دراسة وبحث ونقد، لأن إشكالية التلقي للفنون تكمن في وجود مسافة تاريخية وزمنية بين النص والمتلقي باعتبار أن النص عبارة عن آلة كسولة كما يرى ايكو امبيرتو حيث تحمل فجوة التي يتأصل فيها الحاضر، لأنها ليست هاوية عميقة، لكنها ممتلئة باستمرارية العرف والتراث التي في ضوئها يتم استحضار كل ما كتب في الماضي إلينا (الحقيقة والمنهج ص 264) فغدامير يؤسس لنا وعيا تاريخيا للفهم والتفسير رافضا كل الانقسامات الموجودة بين العقل والتراث والخيال والسلطة.

التأويل عند غدامير:

إن التأويل حسب غدامير ينبغي أن يحطم كل القيود المنهجية ودون التزام بمعنى من المعاني، لذا تحتوي الهرمينوطيقا عنده على ثلاثة عناصر: الفهم والتفسير والتطبيق، فالفهم حسب هذه الرؤية يتخذ بعدين بعد قصدي مرتبط بالمؤلف، وجوهري الذي يرتبط بالمحتوى الحقيقي الذي يظهر لنا أثناء قراءة النص المدروس، لأن الفهم هو إدراكي البعد الفردي والتاريخ والنفسي الذي ينطوي عليها الإعلان بطرح قضية معينة في المقابل لفهم ماهيته الفعلية في حد ذاته وهذا ما يظهر لنا في الأعمال الفنية وخاصة في كتاب مفهوم الوعي الجمالي لماهر عبد المحسن حسن، فالقارئ حسب غدامير ليس كسولا ولا مقصيا بل هو المنتج والمبدع والمشارك في كل عملية إنتاجية يقوم بها المؤلف وهذا ما أكده أركون وأدونيس ومحمد بنيس، فالقارئ باعتباره كما قلت صيرفيا وناقدا أو مبدعا لأنه يكشف لنا وعيه المتمركز في هذه التجارب النصية بواسطة اللغة كما يقول أهل المنطق، فليست النصوص محايدة ولا بريئة، بل هي محمولة بأسئلة التي تكونت لديه في القبل والما بعد، وبالتالي تصبح المعارف والثقافة والتاريخ والتراث مؤثرا في أفق القارئ الحاضر في النص، وهذا ما أكده محمد عبد الجابري في كتابه حيث يقول: <<علينا أن نستوعب التراث لا أن يستوعبنا>>  نحن والتراث ص36،  ووفق هذا الطرح فليس هناك عائق معرفي يفصل بين الذات والعالم الخارجي بل أن الما قبل يمثل شرطا وجوديا لحصول الفهم من أجل عملية التأويل، إذن ليس هناك خط فاصل بين أفق الماضي والحاضر بل كل منهما يكمل الآخر، ويرى غدمير في هذا المقام: <<إن الهيرمينوطيقا ينبغي أن تؤسس بداية على أرضية الحدود المتعلق بالفهم، والتي تمثل العلوم الإنسانية مثالا حيا عنها ولكنه ليس المثال الأوحد إن لم نقل بأنه المثال المفضل (جان غندان) ص145، وانطلاقا من هذا الطرح المنهجي فإننا واجدون أن القارئ هو عبارة عن عنوان لمشروع الهيرمينوطيقا، حيث يحمل كوجيتو الذات العارفة والمشاركة مع المؤلف كتجليات الظهور والاختفاء وأيضا كأسئلة الغياب وهذا ما أكده هانس روبير ياوس في كتابه “جمالية التلقي، لأن اقتراب الدلالة يمكن أن يجعل القارئ لا يرى بعيدا بشكل كاف، وبالتالي يبالغ في تقييم ما يكون قريبا منه، وعلى النقيض من ذلك أن يكون له أفق لا يعني أن تكون له رؤية قريبة وبسيطة، لكن أن يكون قادرا على رؤية ما يكون وراءه كما يرى صاحب “الحقيقة والمنهج” ص270، وتبعا لسنة التطور وقانون الممارسة الإبداعية فالنص كما قلت ليس بريئا، بل يحمل طبقات ترسبية متنوعة مما يتطلب من القارئ الانخراط في الحفر والنبش لمعرفة هذه الأنواع الترسبية، وما هي التربية الصالحة والقادرة على إجابه الأسئلة المضمرة في متخيله، لذا لا تكون القراءة قراءة منطقية، بل قراءة حدسية تأملية يكون للقبلي وللخيالي فيها دور لا يقل على دور العقل، حيث تعتمد التفكيك لهذا التحجب من أجل إظهار البعد اللغوي لولادة المتعة الجمالية وهذا ما يسميه ياوس بأفق التوقعات، ووفقا لهذه الرؤية فإن عملية التوقع المستمر للمعنى داخل النص فهو مرتبط بالمستقبل باعتباره زمنا آخر غير زمن المؤلف أو القارئ، يتحدد مدى ثراء النص وفقا لهذا الطرح بمدى قدرته على إحباط توقعات القارئ، فالعمل الجيد هو الذي لا يمكن التنبؤ بمعناه مسبقا من خلال بداية التلقي، لأن المبدع لا يعرف القارئ كيف ولد النص من رحمه، فتبقى التجربة الذاتية مؤجلة، لذا ينبغي على القارئ أن يعيد حساباته وفقا لما يحدده النص دون الانقطاع كما يرى فوكو، بل خلق جدل وتواصل تاريخي، وخلاصة القول أن الوعي التأويلي ينطوي على أسلوب فهمنا للنص أو خبرتنا به، لأن البداهة كما يرى غدامير تقتضي أن يكون وعي القارئ هو وعي بشيء ما، لذا فالقراءة ستظل عبارة عن إجابات على الأسئلة التي تقتضي منا الجهد والدربة، وكذا الوعي النقدي المؤسس على الوحدة والانسجام والنتيجة الطقسية وذلك من خلال التسلسل والترتيب الذي يفرضه الحدث المتنامي داخل النص كما يرى جاستون باشلار في كتابه “جدلية الزمن” ترجمة خليل أحمد خليل ص154 “القراءة والبعد الاستيطيقي”.

إن مفهوم الإستيطيقا استخدم للإشارة إلى القول الفلسفي في بعده الجمالي مع الفيلسوف بومغارتن إذن ما هو هذا المصطلح؟ وكيف تم تداوله في الكتابات الفلسفية والفنية والأدبية؟ أسئلة كثيرة ومتنوعة تجعل القارئ لا يركن إلى عنصر واحد، بل تدفعه فكرة ووعيه لمعرفة هذا التعدد وهذا الاختلاف والتنوع، لأن البعد الإستيتيقي ارتبط بعلم المعرفة المحسوس ومن ثمة هو أحد أشكال الحقيقة، وهذا البعد الإستيتيقي حسب بومكارتن في كتابه تأملات فلسفية في بعض الموضوعات المتعلقة بماهية الشعر هي ضربا من مستافيزيقيا الجمال، لأن هذا المشروع البومكارتن يهدف إلى تأسيس قواعد الكلاسيكية للبعد الفني والذوق، فهي عبارة عن قواعد يجمعها في عرض منطقي عام، إذ ما علاقة البعد الإسيطيقي بالذات المبدعة؟ سؤال مركزي يقربنا إلى الأنا المفكرة إلى أن هذه الأنا المركزية لم تستخدم إلا مع كانط وخاصة في كتابه “نقد العقل الخالص”، ففي هذا المؤلف بوسع مشروعه الذات دون أي استخدام صناعي أو موضوعي، فالذات المبدعة لابد أن تكون متعالية قادرة على إبداع شروطها بشكل قبلي، ويقول كانط في هذا المقام: <<إن الذوق ملعة الحكم والتقويم لموضوع ما بالإضافة إلى الأنساق الحرة المتخيلة>> نقد العقل الخالص ص24، فالخيال الحر لا يهب نفسه إلا بواسطة الذهن دون أي اعتباط يذكر، فالمبدع في إبداعه لا نعرف كيف يتألم ولا كيف يحس، حيث تبقى الرؤيا مرتبطة بالشعور واللذة التي يعيشها سواء في بعدها الجليل (la sublime) اللامحدود واللانهائي من جهة الكم وليس من جهة الكيف، أن الفن لا يتأسس من خلال العالم الخارجي، بل عن طريق التزاوج بين الذات والموضوعي بتوليد في رحمه البعد التواصلي الإنساني، لأن الذوق هو عبارة عن المبدأ الذاتي الذي من شأن ملكة الحكم بعامة، فكانط رسم معالم التأسيس لهذه الفلسفة الفنية المبنية على الذاتية، ومن ثمة ضبط وجه ولوج الفن في البعد الإستيتيقي وليس في مجال الطبيعة، لكن هيجل نظر إلى الفن باعتباره محدودا نتيجة للطبيعة الحسية الخاصة بوسائطه، فهو غير قادر (الفن) على النهوض إلى إدراك البعد الكمالي لهذا الوعي الذاتي أو الروح، لأن القضايا ترتبط بالموضوع والمحمول (صفة) فلا يمكن أن توجد قضية بدون موضوع ومحمول فهي كلية، لأن الناس في المختبرات يبحثون عن الحقيقة، فهذه الأحكام الكلية هي بمثابة رؤية جديدة في بعدها العلمي وليس الفني، لذا فهو أحد الأشكال الكليانية للعقل، لكنه ليس شغله النهائي، وهو خطوة في طريق العقل قصد الوصول إلى الحقيقة، لذا ميز بين البعد الكلاسيكي الذي يتجسد فيه المطلق على المستوى الحسي لكن مع الرومانسية تحول الفن من ما هو خارجي إلى ما هو ذاتي، عارضا براعته الإبداعية التب تنم عن قوة إدراكية جوهرية، أكثر ما تنم عن قوة شاعرية، فالرومانسية كما ذكرت في التعبير الوجداني والشعور، تفتح للخيال المجنح بعد وجوديا داخليا من أجل الرفع إلى المستوى المتعالي وهذا ما يقربنا إلى الفكر الأنتربولوجي لوسيان كولدمان الذي يقر بوجود الوعي السائد أو الواقعي المرتبط بالعيني والسطحي، أما الوعي الممكن فهو مرتبط بالمبدع الذي يتجاوز الكائن إلى بناء الممكن (الوعي الممكن)، وهذا ما أكده هيجل بدوره أن الفن الحسي المرتبط بالفن يتجاوز الواقع الذي ينخضع للرغبة من أجل بناء كلية مطلقة (أن الحسي في الفن لا يصبح موضوعا للرغبة بل التأمل الجمالي)، فهذا التأمل المتعالي عن كل مظاهر الأرض هدفه هو التكشف الذاتي للعالم، لأن الفنان يهدف إلى تأكيد الحقيقة الممكنة من أجل تثبيت هذا الصراع في صورة كلية كما يرى هيدجر لأن الحقيقة هي صراع بين العالم والأرض التي تؤسس ذاتها في العمل الفني، لأن الهدف هو إبراز المكانة العليا من طرف الفن لكي يظهر لنا حقيقة الوجود الممكن المبني على التكشف دون النظر إلى الفن من رؤية أخلاقية (نيتشه)، ورغم هذا الطرح الذي أبرزناه فيبقى البعد التاريخي والاجتماعي هو الجوهر في كل تجربة فنية حسب أدورتو. فالأشكال الفنية هي عبارة عن استراتيجية التي من خلالها نلج إلى العوالم المرتبطة إما بالبعد الديني، أو الاجتماعي أو الفكري أو الأدبي، فإننا واجدون أن الحقائق المبثوثة في ثنايا الفن تختلف تبعا لسنة التطور وقانون الممارسة الإبداعية، فإننا واجدون أن القراءة تتنوع بتنوع العصور والرؤى والمناهج، فهناك من نظر نظرة المتذوق، أو الناقد السطحي (البراني) أو الجواني، أو التواصلي أو الحسي السياسي المشترك، أو مثالية التواصل الكلياني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *