حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في ليلة من ليالي هذا الشهر البارد ، وفي مدينة الجديدة التي لم تكن إلا مدينة ساحلية هادئة، فتحوّلت إلى مسرح وطني للبكاء السياسي، حوته قاعة مكيفة، بكراسٍ مخملية مصفوفة بعناية، ومناديل ورقية موزعة بسخاء، لم ينقص وفي مشهد لم ينقصه سوى مخرج يصرخ لدموع جاهزة ، عند دخول السادة الوزراء والقياديون ببدلاتهم اللامعة، يمشون بوقار جنائزي، ” أكشن… ابكِ من القلب” و كأن الوطن وُضع لتوّه في النعش، جلسوا، تنحنحوا، تبادلوا نظرات حزينة مدروسة، ثم انفجرت العيون وكأنها تذكرت لطمية سيدنا الحسين في عاشورة شيعية.
دموع غزيرة، مدروسة التوقيت، عالية الجودة، تصلح للبث عالي الدقة ، دموع لا تُذرف إلا داخل القاعات المكيفة، ولا تعترف بالبرد، ولا تعرف طريقها إلى الجبال المنكوبة ولا الأحياء الغارقة.
كان السبب جللاً: الزعيم قرر أن يرتاح ، نعم، يرتاح فقط… لم يُختطف، لم يُنفَ، لم يُحاكم، ولم يُفلس الوطن رسمياً، ومع ذلك، بكى القوم كأن الدولة أُعلنت يتيماً، وكأن الخزينة ستغلق أبوابها حداداً، وكأن الشمس ستنسى الشروق بعد ولاية القائد.
أحدهم مسح دموعه بعناية، وقال بصوت مكسور:– “إنه فراق صعب…”وفاته أن يوضح: صعب على من؟ على المواطن الذي أغرقته الفياضات وهو عمل؟ أم على الحزب الذي قد يجد نفسه بلا حافلة مكيفة ولا مموّل سخي؟
العجيب، بل المضحك المبكي، أن هذه الغدد الدمعية نفسها كانت في إضراب مفتوح حين زلزال الحوز ، وكانت في عطلة مدفوعة الأجر حين سيول آسفي ، وكانت في صيام تطوعي حين صرخ سكان القصر الكبير تحت الماء.
لكنها اليوم… عادت للعمل بنظام الحصص الكاملة، لأن المناسبة حزينة فعلاً: لأنه أثناء هذا العزاء السياسي الفاخر، كانت الكراسي الفارغة تؤدي دورها بصمت، أكثر من ألف مؤتمر غابوا، ربما لأن ميزانية الحزن لم تشمل مصاريف البنزين، أو لأنهم أدركوا أن المسرحية دخلت فصلاً مملًا لا يستحق التصفيق.
الكراسي الفارغة لم تبكِ، لكنها قالت كل شيء: الولاء لم يكن يوماً للفكرة، بل للامتياز ،للمائدة، لا للمشروع ،للحافلة، لا للحزب.
وفي الزاوية، كان أحد القياديين يغالب غصته، يحاول أن يبدو إنسانياً أمام الكاميرا، فرك عينيه بقوة، ربما استعان بقليل من البصل المفروم تحت الطاولة، ثم ترك دموعه تنساب بانتظام يحسده نظام الري بالتنقيط ، ويذكّر المواطن بحكمة التمساح الذي يبكي وهو يلتهم فريسته، ليس حزناً ولا شفقة بالفريسة، بل لأن عضلات فكه تضغط على غدده الدمعية ، كما السياسي، الذي لا يبكي على حال المواطن، بل لأن مضغ أحلامه متعب ،ويتطلب مجهوداً عضلياً يرهق العينين.
انتهى مؤتمر اللطمية، جفّت الدموع، أُغلقت القاعة، وعاد الجميع إلى سياراتهم الفاخرة ، أما المواطن، فبقي حيث هو:بلا مناديل، بلا وعود، وبلا دموع سياسية صالحة للاستعمال الآدمي.
وأسوأ ما في هذه الميلودراما، أنها تُعرض دائماً على حسابك أيها المواطن الذي تخاطبه إحدى مرشحات المستقيل قائلة: عزيزها المواطن إذا رأيت سياسياً يجهش بالبكاء أمام الكاميرات، فلا تُحضر منديلاً و أحضر دلوًا، ليس لتجميع دموعه غير الثمينة،التي لا تخبز خبزاً، ولا تبني وطناً، ولا تستر عورة حزب ،بل لتجميع الوعود التي ستغرق معها..