بقلم: بدر شاشا
في السنوات الأخيرة، أصبحت قضية السكن من أبرز الإشكالات الاجتماعية التي تؤرق فئات واسعة من المواطنين المغاربة. فرغم البرامج الحكومية والدعم الموجّه لاقتناء السكن، فإنّ الواقع يُظهر أنّ أغلب الأسر غير قادرة فعلياً على شراء منزل، ليس فقط بسبب ارتفاع الأسعار، ولكن لأن شروط القروض البنكية أصبحت عقبة حقيقية أمام ذوي الدخل المحدود والمتوسط.
تطلب البنوك ضمانات قاسية، وأجوراً مرتفعة، وسوابق مالية نظيفة، مما يجعل المواطن البسيط يقف أمام أبوابها مكسور الأمل. وهكذا، يتحول حلم السكن إلى كابوسٍ من الإيجارات الدائمة، بينما الدعم المالي المخصص للسكن لا يستفيد منه إلا من هم قادرون أصلاً على الشراء، أو من يستغلونه في مشاريع ربحية بدل أن يحقق الغرض الاجتماعي منه.
فكرة جديدة: التمليك عبر الكراء بدون ربا :
في ظل هذا الواقع، يبرز اقتراح عملي وواقعي: أن تتبنى الدولة نموذج “الكراء المؤدي إلى التمليك”.
أي أن تقوم الحكومة أو شركات التنمية العمرانية التابعة لها ببناء منازل اقتصادية عالية الجودة، يتم كراؤها للمواطنين بأثمنة معقولة، مع وضع نظام واضح يحدد أنّه بعد فترة محددة من الأداء الشهري – تساوي تقريباً قيمة المنزل – يصبح العقار ملكاً للمكتري.
بهذا الشكل، يتحول دعم الدولة من منحة آنية مرتبطة بالشراء البنكي إلى استثمار اجتماعي طويل المدى يعود بالنفع على الجميع.
فالدولة تضمن أن الدعم يصل فعلاً إلى من يستحقه، والمواطن يعيش بكرامة في سكن محترم دون ديون خانقة، والمجتمع يربح استقراراً اجتماعياً واقتصادياً.
مزايا هذا النموذج :
. العدالة الاجتماعية: يتيح للفئات ذات الدخل المتوسط والمنخفض امتلاك منزل دون المرور عبر البنوك.
. تحفيز الإنتاج العقاري المنظم: سيشجع المقاولات الوطنية على بناء مشاريع سكنية واقعية ومراقَبة الجودة.
. محاربة المضاربات العقارية: لأن الهدف سيكون التمليك للسكن، لا الشراء بغرض الكراء والربح السريع.
. استثمار الدعم العمومي بذكاء: فالمبلغ الذي تخصصه الدولة حالياً لدعم الشراء يمكن أن يُوجَّه لتقليص كلفة الكراء المؤدي للتمليك، بدل أن يستفيد منه أقلية.
كيف يمكن تطبيقه؟
يمكن للدولة، عبر مؤسسات كـ”العمران” و”صندوق الإيداع والتدبير” و”الوكالة الوطنية للسكن”، أن تُطلق برامج جهوية للسكن بالكراء-التمليكي، تُموَّل بشراكة مع الجماعات الترابية، والقطاع البنكي كشريك ضامن لا كدائن.
تُبنى هذه المنازل في مناطق منظمة ومجهزة، ويُراعى في تصميمها المعايير البيئية والطاقية الحديثة (استعمال الطاقة الشمسية، عزل حراري، مساحات خضراء).
الغاية: السكن كحق وليس كامتياز :
إن الهدف من كل هذا ليس فقط تمكين المواطن من جدران وسقف، بل تثبيت كرامة الإنسان المغربي، وجعل السكن حقاً اجتماعياً لا سلعة تُباع لمن يملك الوسائل.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في مفهوم “الدعم”، حتى لا يكون مجرد رقم في ميزانية الدولة، بل سياسة عمومية تُحدث فرقاً في حياة الناس.
المغرب في حاجة إلى نموذج سكن اجتماعي إنساني ومستدام، لا يثقل كاهل المواطن بالديون، بل يمنحه الأمل بأن تعب حياته لن يضيع بين دفاتر البنوك.