من أين لك هذا؟ وانكشاف عطب الأحزاب المغربية !

 

في بلاد العجائب السياسية، لا شيء يبعث على الضحك أكثر من العدالة حين تُحاكم المترافع باسم “النزاهة”، وهو في الوقت نفسه المتهم بــ”التشهير”.
المشهد لا يحتاج خيالاً روائياً: لأن القصة هذه المرة بطلها برلماني “محترم” وقيادي “تاريخي”، اسمه نور الدين مضيان، رئيس فريق حزب الاستقلال بمجلس النواب، الذي وجد نفسه متّهمًا أمام المحكمة الابتدائية بتارجيست، ليس بالفساد المالي أو تضارب المصالح، ليس بسبب سوء تدبير أو اختلاس، بل بتهم القذف والتشهير ضد منتخبة جهوية من حزبه نفسه.
والطريف ـ أو المبكي إن شئنا الدقة ـ في القضية أنها تتزامن مع دفاعه الشهير عن قانون “من أين لك هذا؟” الذي دُفن بليلٍ على يد أحزابٍ كان حزب مضيان أحد حاملي شموع جنازته. واليوم، ها هو الرجل يبعث القانون من قبره، لكن بطريقة معكوسة:
القصة أكثر من مشهد كوميدي سياسي:
البرلمانية السابقة ـ ضحية التسريب الصوتي ـ لم تجد أمامها سوى القضاء بعدما فشلت كل “الوساطات الحزبية” في لملمة الفضيحة داخل البيت الاستقلالي. فُتحت الأبواب وأُقفلت، وتحوّل الملف إلى علبة باندورا حزبية تتطاير منها روائح “الأخلاق السياسية” التي لا تختلف كثيراً عن عبير المكرونة البايتة في المقرات المركزية.
ومع توالي جلسات المحكمة، كان السيد مضيان يُدهشنا بقدراته الصحية الخارقة:
فهو مريض بما يكفي لتقديم شهادة طبية تُؤجِّل المحاكمة، لكنه في الوقت نفسه معافى بما يكفي لحضور الجلسات البرلمانية، والندوات الحزبية، وحفلات الصور الجماعية. مرضٌ موسميٌّ يصيبه فقط أيام انعقاد جلسات المحكمة، ويختفي مع بداية جلسات الأسئلة الشفوية بمجلس النواب! والدفاع عن القانون الميت، قانون “الإثراء غير المشروع”، الذي يبتسم في قبره بسخرية، ويهمس من تحت التراب:”من أين لكم هذا الانحدار؟”
وتقول الأخبار إن النيابة العامة قررت المضي في المتابعة بعد أن فشلت كل محاولات “التشخيص الحزبي” للمرض المزمن الذي أصاب حزب الاستقلال: تضخّم الذات وتصلّب الأعصاب. حزبٌ وُلد في كفاح الاستقلال الحقيقي، وانتهى في معارك “السبّ والتشهير الداخلي”.
قد يُخطئ الأفراد، وقد تُبرئهم العدالة أو تدينهم، لكن الثابت هو أن هذه الحكاية تكشف خللًا بنيويًا في الممارسة الحزبية والسياسية بالمغرب، حيث تُرفع الشعارات الأخلاقية في الصباح، وتُخرق في المساء.
فما لم تُصلح الأحزاب نفسها من الداخل، وتُفعّل آليات المحاسبة والانضباط الأخلاقي في صفوفها، فسيظل قانون “من أين لك هذا؟” مجرد ذكرى جميلة في دفاتر الإصلاح المجهضة.
أما السيد مضيان، فقد جمع في آنٍ واحد بين الخطبة في البرلمان والملف في المحكمة… بين الدفاع عن النزاهة واتهام التشهير.
وتلك، باختصار، ليست مفارقة سياسية… بل نكتة وطنية بطعم الجدية.
حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *