موسم الهجرة إلى صناديق الاقتراع ،حين يصبح المواطن خبيرًا دستورياً فجأة!”

حميد طولست 

مع اقتراب موسم الانتخابات—ذلك الفصل السياسي الذي لا يُدرَّس في المدارس لكنه يُمارس بإتقان في المقاهي وعلى صفحات فيسبوك—تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه “سوق عكاظ” سياسي، حيث يُطرح السؤال الأبدي بصيغة ملغومة: من الأجدر برئاسة الحكومة القادمة؟
سؤال يبدو بريئًا، لكنه في الحقيقة أشبه بفخّ لغوي يُستدرج إليه المواطن المغربي، ليُخرج ما في جعبته من خيبات متراكمة، فيتحول فجأة إلى محلل سياسي، وخبير دستوري، وأحيانًا إلى لجنة تقصي حقائق متنقلة.
أما الأجوبة، فهي—مع بعض الاختلاف في الصياغة—تتفق على لحن واحد:”نريد تكنوقراطياً لا حزبياً!”
وكأن الأحزاب المغربية—يمينها ويسارها ووسطها، بل وحتى التي تتوضأ قبل كل بيانية شيوعي—قد اجتمعت سرًّا على هدف واحد: إقناع المواطن بأنها كلها من طينة واحدة، تُغمس في صحن الفساد وصلصة الانتهازية.
المواطن، الذي منح صوته يومًا على أساس الأمل، أصبح اليوم يمنحه—إن منحه—على أساس “أخفّ الضررين”، بعد أن اكتشف أن بعض المنتخبين لا يظهرون إلا في المناسبات: مرة في الحملة الانتخابية، ومرة في صورة قديمة تُعاد مشاركتها مرفقة بعبارة “إنجازاتي تتحدث عني” بينما الإنجاز الوحيد الذي يتحدث فعلاً هو الصمت ، الذي يدفع المواطن يطرح أسئلة بسيطة، لكنها موجعة:
هل يتواصل المنتخب مع الساكنة؟ هل يحضر بينهم؟
هل يدافع عن قضاياهم؟ أم أنه يتقن فن “الاختفاء الانتخابي” أكثر من أي شيء آخر؟
أسئلة كفيلة بأن تُدخل بعض الأحزاب في حالة “وضع الطيران”، فتختفي من الرادار السياسي، ولا تعود للظهور إلا بعد أن تتدخل وزارة الداخلية أو تُصدر المحاكم الإدارية أحكامها ، حينها فقط، تتذكر الأحزاب فجأة أنها تملك لسانًا، فتُصدر بلاغات تشبه بيانات الطقس:
“كنا نراقب الوضع عن كثب.”
أما في ما يخص المحاسبة، فهي عند البعض تشبه “الرياضة الموسمية”: تُمارس عند الضرورة، وتُنسى عند أول استحقاق انتخابي.
والنتيجة؟ نجد أنفسنا أمام مشهد عبثي: منتخبون يُعزلون، وبرلمانيون يُتابَعون، ومسؤولون يُحالون على القضاء ، وفي المقابل، أحزاب تستعد بثقة—تُحسد عليها—لخوض الانتخابات بنفس الوجوه، ونفس الخطاب، ونفس الوعود التي انتهت صلاحيتها منذ الولاية الماضية.
ومع اقتراب كل استحقاق، تبدأ القوافل الحزبية في “الحج الانتخابي”: جولات مكوكية، لقاءات جماهيرية، وعود بالجملة، وشعارات من قبيل: “معًا من أجل التغيير” الشعار الصالح لكل زمان ومكان، لأنه لا يُلزم بشيء محدد!
وكان الأجدر—من باب التواضع السياسي لا أكثر—أن تقوم هذه الأحزاب، منذ بداية الولاية، بإرسال لجان ميدانية تسأل المواطنين بكل بساطة: “واش خدم عندكم المنتخب ديالنا، ولا غير دار فيها خدام؟”
لكن يبدو أن هذا النوع من الأسئلة يُصنَّف ضمن “الأسئلة المحرجة”، التي تُؤجل دائمًا إلى ما بعد ، ما بعد كل شيء.
وهنا نصل إلى جوهر الحكاية: هل نحن فعلاً أمام لحظة تصحيح سياسي حقيقي؟
أم أننا فقط نعيد عرض نفس المسرحية، مع تغيير طفيف في الديكور؟
البعض يستحضر “الزلزال السياسي” لسنة 2017، حين تمت محاسبة عدد من المسؤولين على تقصيرهم، وكأن الحل يكمن دائمًا في “صدمة كهربائية” تعيد تشغيل الجهاز السياسي.
لكن الحقيقة—التي لا تحتاج إلى بلاغ رسمي لتأكيدها—هي أننا لسنا في حاجة إلى زلازل، بقدر ما نحن في حاجة إلى شيء أبسط ، وأصعب في الوقت نفسه: نحن في حاجة لثقافة سياسية جديدة.
ثقافة لا تؤمن بالشعارات بقدر ما تؤمن بالنتائج، لا تُجامل في التقييم، ولا تنتقي في المحاسبة، وتُدرك أن المسؤولية ليست “فرصة”، بل التزام.
ثقافة تعيد الاعتبار للكفاءة، وتُقصي من يعتبر المنصب غنيمة،
وتُقنع المواطن—ولو مرة واحدة—أن صوته لم يذهب في عطلة مفتوحة.
أما إذا استمررنا في نفس الدائرة، بنفس الوجوه، ونفس الأعذار، ونفس الوعود، فلا داعي للقلق، سنحصل—بكل بساطة—على نفس النتائج،
لكن هذه المرة، بإخراج أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *