بدر شاشا
في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، لم يعد مقبولاً أن تستمر البنيات المؤسساتية متفرقة، متداخلة، ومتكررة الوظائف بشكل يرهق الميزانية العامة ويُضعف الفعالية. إن المرحلة الراهنة تفرض إعادة نظر جذرية في طريقة تنظيم الدولة لمؤسساتها وصناديقها وهيئاتها، ليس بمنطق الترقيع، بل بمنطق الدمج، التوحيد، والرقمنة الشاملة. إن مغرب المستقبل يحتاج إلى مؤسسات قوية، قليلة العدد، واضحة الاختصاص، عالية الشفافية، ومتصلة رقمياً ببعضها البعض في منظومة متكاملة لا تعرف الانقطاع.
إن أولى خطوات الإصلاح الهيكلي تكمن في دمج جميع صناديق التقاعد في صندوق وطني واحد موحد. تعدد الصناديق خلق تفاوتات كبيرة في الحقوق والامتيازات وأنتج اختلالات مالية وهيكلية عميقة. صندوق وطني موحد سيمكن من عدالة اجتماعية حقيقية بين الموظفين، ويضمن استدامة مالية عبر توسيع قاعدة المنخرطين وتوزيع المخاطر، ويضع حداً للتعقيد الإداري الذي يرهق الدولة والمواطنين معاً. نفس المنطق ينطبق على التغطيات الصحية، إذ إن توحيدها ضمن نظام وطني واحد سيضمن المساواة في الولوج للعلاج، ويحسن جودة الخدمات، ويمنع ازدواجية النفقات والتدبير.
إن التواصل بين المؤسسات العمومية لا يزال يعاني من بطء وتعقيد غير مبررين في عصر الرقمنة. المطلوب اليوم هو نظام اتصال إلكتروني موحد يربط الوزارات، الجماعات الترابية، المؤسسات العمومية، والهيئات الرقابية في شبكة رقمية آمنة وفورية. كل وثيقة يجب أن تنتقل إلكترونياً، كل معطى يجب أن يكون متاحاً للجهات المخولة، وكل إجراء يجب أن يكون قابلاً للتتبع لحظياً. بهذه الطريقة يتم القضاء على ضياع الملفات، وتعطيل المصالح، وتكرار الوثائق، وتضارب الاختصاصات.
ومن الإصلاحات الحيوية إنشاء منصة إلكترونية وطنية موحدة للشواهد والدبلومات، تشمل القطاعين العام والخاص. هذه المنصة يجب أن تُمكّن أي مؤسسة أو مشغل من التحقق الفوري من صحة شهادة أو دبلوم عبر رقم وطني موحد مرتبط ببطاقة التعريف الوطنية. التزوير في الشواهد يضرب مصداقية سوق العمل ويظلم الكفاءات الحقيقية. ربط الشواهد بسوق الشغل رقمياً سيخلق شفافية غير مسبوقة ويعزز الثقة بين الدولة والمستثمرين والمواطنين.
أما في المجال الاجتماعي، فإن السكن يظل حجر الزاوية في الاستقرار. المطلوب هو اعتماد نموذج سكن اجتماعي بنظام كراء طويل الأمد يتحول إلى تملك بعد بلوغ قيمة العقار. هذا النموذج يمنح الفئات الفقيرة فرصة حقيقية لامتلاك سكن دون ضغط مالي فوري، ويمنع المضاربات، ويحقق استقراراً أسرياً واجتماعياً. السكن ليس مجرد جدران، بل هو أساس الكرامة والانتماء.
وفي قطاع التعليم العالي، يمكن التفكير في توحيد الجامعات ضمن منظومة جامعة وطنية موحدة بفروع جهوية، تعتمد مناهج موحدة ومعايير جودة صارمة وبحث علمي منسق وطنياً. هذا التوحيد لا يعني إلغاء الخصوصيات الجهوية، بل توحيد الرؤية والحوكمة والرقابة. نفس الرؤية يمكن إسقاطها على المستشفيات المغربية عبر شبكة صحية وطنية موحدة تدار مركزياً برقمنة شاملة للملفات الطبية والموارد البشرية والتجهيزات، بما يضمن عدالة توزيع الخدمات وتحسين الجودة.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن دمج بعض الشركات العمومية أو إعادة هيكلتها في تكتلات قوية سيمنحها قدرة تنافسية أكبر، ويقلل من تكرار المهام والخسائر المزمنة. وكذلك الأمر بالنسبة للقطاع البنكي والاتصالات، حيث يمكن تعزيز الاندماجات الاستراتيجية لخلق مؤسسات وطنية كبرى قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً، بدل تشتيت الجهود والموارد.
غير أن كل هذه الإصلاحات لن تؤتي ثمارها دون مراقبة صارمة وفعالة. الإدارة العمومية والمقاولات العمومية تحتاج إلى أنظمة تتبع دقيقة قائمة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. كل درهم يجب أن يكون قابلاً للتتبع من مصدره إلى وجهته. كل مشروع يجب أن يخضع لمؤشرات أداء حقيقية تقيس النتائج لا النوايا.
تفعيل مراقبة إلكترونية صارمة لدخول وخروج الموظفين أصبح ضرورة ملحة للقضاء على ظاهرة الموظفين الأشباح وضمان الانضباط الوظيفي. أنظمة البصمة الرقمية أو البطاقة الذكية المرتبطة بقاعدة بيانات مركزية كفيلة بإرساء ثقافة الالتزام والمساءلة. الوظيفة العمومية تكليف ومسؤولية وليست امتيازاً دائماً.
كما أن سيارات الدولة يجب أن تخضع لنظام تتبع إلكتروني دقيق يحدد مساراتها واستخدامها واستهلاكها للوقود. سيارة الدولة ملك للمواطنين وليست ملكاً شخصياً لأي مسؤول. الشفافية في هذا المجال تعني حماية المال العام وترسيخ الثقة.
إن جوهر هذه الرسالة ليس تقليص المؤسسات بقدر ما هو توحيدها وتقويتها. ليس الهدف إلغاء التنوع، بل إنهاء التشتت. ليس المقصود المركزية المفرطة، بل الحوكمة الذكية. المغرب يمتلك الكفاءات والموارد والقدرة على الانتقال إلى نموذج مؤسساتي موحد، رقمي، شفاف، وقوي.
إن اللحظة التاريخية تفرض شجاعة القرار. الإصلاح الحقيقي لا يكون جزئياً ولا مؤقتاً، بل شاملاً ومترابطاً. توحيد الصناديق، دمج الهياكل، رقمنة الإدارة، مراقبة صارمة للمال العام، عدالة في السكن، شفافية في الشواهد، وانضباط في الوظيفة العمومية… كلها حلقات في سلسلة واحدة اسمها بناء دولة حديثة متماسكة.
إنها دعوة صادقة إلى إعادة هندسة الدولة المغربية بمنطق المستقبل، حتى يصبح الوطن أكثر قوة، وأكثر عدلاً، وأكثر كفاءة في خدمة مواطنيه.