بدر شاشا
في قلب المدن المغربية، وفي شوارعها وأزقتها، تعيش نساء النظافة واقعاً يومياً قاسياً لا يُحتمل، واقعاً مليئاً بالاستغلال والظلم، واقعاً لا يليق بإنسانية أي شخص، ناهيك عن النساء اللواتي يكافحن من أجل لقمة العيش. هؤلاء النساء يُستدعين للعمل أحياناً لمدة أسبوع أو أسبوعين، ومن ثم يتم تبديلهن بأشخاص آخرين، وكأن الأمر لعبة للتهرب من الالتزامات القانونية، وكأن حياة هؤلاء النساء وقتهن وجهودهن مجرد أرقام تُسجل في دفتر إحصاءات لا يقرأه أحد.
هذه الطريقة في التشغيل ليست مجرد تجاوز قانوني، بل هي استغلال صارخ لجهد وعمل نساء مغلوبات على أمرهن، يُحرمن من حقهن في الحصول على تعويض عادل، ويُحرمن أيضاً من التصريح بأيام عملهن، فتُحسب أسابيع عملهن على الورق وكأنها لم تكن موجودة. فكيف يعقل أن تعمل امرأة في عدة قطاعات، تضحي بوقتها وجهدها، تعمل 26 يوماً في الشهر، لتجد أن عدد الأيام التي تم التصريح بها لا يتجاوز 14 إلى 18 يوماً؟ هذه لا تُسمى مجرد خللاً، بل تُسمى إهانة للنظام والقوانين، وإهانة للكرامة الإنسانية في المغرب.
ومن المثير للسخرية أن المراقبين، الذين من المفترض أن يكونوا العين الساهرة على تطبيق القانون، لا يتحركون إلا بعد فوات الأوان، وكأنهم يراقبون الأشياء من بعيد، لا من أجل معالجة الاختلالات، بل من أجل المرور على الإجراءات الشكلية. أين العدالة الاجتماعية؟ وأين ال
مسؤولية؟ وكيف يمكن تصور دولة تحمي حقوق العاملين بينما نساء النظافة يعشن في دائرة استغلال مستمرة، بلا حماية ولا ضمان؟
الوضعية أكثر مأساوية إذا عرفنا أن بعض الشركات تستخدم هذه الأساليب بشكل ممنهج، فهي تدرك أن التبديل المستمر للعمالة يُجنبها الالتزام بالقوانين، ويجنبها التصريح الكامل بأيام العمل، ويُحرم النساء من حقوقهن الشرعية والمادية. وفي الوقت نفسه، تزداد هذه الظاهرة في تصاعد مستمر، دون أي رادع أو مساءلة.
من الضروري اليوم أن تتدخل وزارة التشغيل المغربية بجدية، وأن تُشدد الرقابة على هذه القطاعات، وأن تُحمي النساء العاملات، لأن كل يوم يمر من دون حماية قانونية يعني استمرار استغلال واضح وعلني، ويعني أيضاً استمرار معاناة آلاف النساء اللواتي يكدحن من أجل توفير لقمة عيش كريمة. العدالة الاجتماعية في المغرب لا تتحقق إلا باحترام حقوق العاملين، ولا يمكن أن تكون مجرد شعارات مكتوبة على الورق، بينما الواقع يقول شيئاً آخر.