هل فعلا تصفد الشياطين في رمضان ؟

 بقلم الاستاذ : حميد طولست 

إذا كان شهر رمضان يرتبط في المخيلة الجماعية المغربية بقيم التسامح والتراحم والانضباط الأخلاقي، والأجواء الروحانية التي تفرض الوقار في الحياة العامة، وتنمي الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية ، فإن المفارقة المثيرة الجدل أن هذا الشهر، الذي يروّج فيه رجال الدين للحديث النبي ﷺ: الذي يقول :”إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ”، بات موسماً للعديد من الظواهر السلبية، كالمشاجرات والاعتداءات والغش والتلاعب بالأسعار، وغيرها من السلوكات المنهي عنها في الأيام العادية فبالأحرى في هذا الشهر الفضيل ،والتي تثير استغراب الكثيرين حول أسباب هذا التناقض الصارخ وتفرض تساؤلات أمثال :إذا كانت الشياطين مصفدة، فمن أين تأتي هذه السلوكيات؟ ، وهل المشكلة في الشياطين أم في البشر؟ وللإجابة على بعض تلك التساؤلات ، يذهب بعض الفقهاء إلى أن “تصفيد الشياطين” لا يعني اختفاء الشر، بل تقليل تأثيره، ويبقى للنفس البشرية دورها في توجيه السلوك. فالكثير من الأفعال المشينة تأتي من دوافع داخلية كالجشع والأنانية والانفعال، وهي صفات لا تحتاج إلى وسوسة شيطانية كي تظهر، بينما يذهب البعض إلى أنها نابعة مما يشهده المغرب من تحولات اجتماعية واقتصادية ضاغطة على معيشية المواطنين والمتمثلة في الغلاء المعيشي وارتفاع الأسعار المؤدية إلى خلق حالات التوتر المنعكسة على السلوكيات اليومية للمواطنين في رمضان حيث يزداد الطلب على المواد الأساسية ، كما يرجعها البعض الآخر إلى انحسار التأثير القيمي والتربوي والأخلاقي الذي كانت الأسرة والمدرسة والمسجد تشكل مثلثًا أساسياً في ترسيخه ، والذي تراجعت أدوارها في القيام به بفعل عوامل متعددة، منها التغيرات الثقافية وغياب القدوة، وانتشار أنماط حياتية أكثر استهلاكية وأقل التزامًا بالأخلاق العامة ، وغيرها من المؤثرات التي تعزز غلواء ذلك ، كالمحتويات الرقمية للأنماط السلوكية المتسمة بالفوضى والسخرية من القيم المشجعة على التطبيع مع الممارسات غير الأخلاقية، وتعزيز النزعات الفردانية، التي تروج لها بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ، ناهيك عن الضغوطات النفسية والتغيرات البيولوجية التي تأثير على سلوكيات بعض الأفراد بطرق مختلفة، حيث نجد من يضبط نفسه عند الصوم ويتحلى بالصبر، بينما نرى آخرون يجدون في الصيام مبررًا للعصبية والتوتر، إلى جانب تساهل المجتمع مع السلوكيات غير اللائقة ، وضعف تطبيق القوانين الرادعة أو غياب الحزم في تطبيقها في كثير من الأحيان ، ما يفسح المجال أمام تلك التجاوزات الشرعية والقانونية، وخاصة منها استغلال التجار للمستهلكين بالرفع العشوائي للأسعار أو بيع سلع دون احترام معايير الجودة، خلاصة القول هو ان رمضان ينبغي أن يكون شهرًا للسكينة والروحانية، وليس مناسبة لانفلات القيم وتنامي الظواهر السلبية. التي بات إدراك جذور هذه المشكلة ومعالجتها ضرورة مجتمعية ملحة لضمان الحافظ على الطابع الأصيل لهذا الشهر الفضيل واعادة الاعتبار لقيمه التي عرف بها في المغرب مند زمان ، الأمر الذي لان يتأتى إلا بتعزيز الوعي الأخلاقي والديني من خلال حملات توعوية تستهدف كافة الفئات المجتمعية، مع التركز على أهمية الانضباط السلوكي في رمضان وترسيخ قيم التضامن والاحترام ، وذلك بإعادة الاعتبار لدور المؤسسات التربوية والدينية عبر تنسيق الجهود بين الأسر والمدارس والمسجد ، وتشديد الرقابة على الأسواق وضبط الأسعار ومنع المضاربات التي تستغل حاجة المواطنين ، وتفعيل القوانين بصرامة: للحد من السلوكيات المخلة بالنظام العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *