هل ما زال لمحاسبة “الكبار”مكان بعد سحب قانون الإثراء .

حميد طولست

في مشهد سياسي يتّسم بتزايد الإحباط الشعبي من عجز الدولة عن محاربة الفساد، اختارت الحكومة المغربية نهجًا مقلقًا: سحبت قانون الإثراء غير المشروع، وسنّت قوانين تُضيّق على الجمعيات أدوارها في التبليغ عن الفساد، وأدخلت العقوبات البديلة بدل الحبس في قضايا قد تشمل شُبهات خطيرة. خطوات يرى فيها كثيرون انتكاسة واضحة لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي ظل يتردد كعنوان لمرحلة ما بعد دستور 2011.
في خضم هذا التراجع، انفجرت قضايا خطيرة تخص كبار المسؤولين والتي كان من بينها ، أو م أبرزها والتي كان وراءها “جبروت” والمتعلقة بوزير العدل السيد وهبي والتي سبق أن افردت لها مقالة ، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، وعمدة مدينة مراكش السيدة بفاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة ، التي تظهر – بحسب الوثائق المتداولة – في قلب صفقة عقارية ضخمة فوق أرض فلاحية محمية تتجاوز مساحتها 66 هكتارًا، بيعت بمبلغ فاق 266 مليون درهم، رغم تصنيفها كمجال غير قابل للبناء حسب وثائق التعمير.
الخطورة لا تكمن فقط في قيمة العقار ولا في طبيعته الفلاحية، بل في تزامن توقيع العقد مع شغل المنصوري لمنصبين مؤثرين: وزيرة تُشرف على قطاع التعمير، ورئيسة للسلطة المحلية في مراكش، المدينة التي تقع فيها الأرض. وهذا ما يجعل القضية محاطة بشبهات تضارب مصالح واستغلال نفوذ و”تجارة العالِم بالأسرار”، خاصة أن المديريْن السابقين للوكالة الحضرية رفضا المشروع أو غادرا في ظروف غامضة، ليُعيّن مدير جديد بعد شهرين فقط من عملية البيع.
وفي خضم تداعي الوثائق، وبدلا من مواجهة أسئلة الرأي العام: كيف تحوّلت أرض فلاحية إلى مشروع بناء؟ كيف حصلت الشركة التي باعتها المنصوري على الرخص؟ ولماذا وقّع المشترون على “إبراء تام” للموثقة بخصوص مخالفة وثائق التعمير؟
وفي محاولة للهروب إلى الأمام بركوب موجة الانتصار الدبلوماسي الذي حققته الدولة في ملف الصحراء ، اختارت المنصوري أن “تستدرج” جاكوب زوما، الرئيس الأسبق لجنوب إفريقيا، إلى مقر حزبها، في مشهد يذكّر بمسرحيات “الدبلوماسية الحزبية” التي اعتادها المغاربة زمن إلياس العماري.
السؤال اليوم ليس فقط عن مصير المنصوري، بل عن مصير ثقة المغاربة في مؤسساتهم. ماذا يعني سحب قانون يجرّم الإثراء غير المشروع في ظل هذه الوقائع؟ ما الذي تبقّى من آليات الرقابة، حين تصبح الجمعيات مهددة بالتجريم إن هي نبّهت أو كشفت الفساد؟ وهل ما زال المواطن المغربي يملك أملاً في عدالة لا تهاب أصحاب النفوذ؟
ما جرى في مراكش ، إن صحّت معطيات العقد المُسرّب -كما صرحت الوزيرة بأن الأرض “ملك خاص” وأن الصفقة “عائلية”، لكن القوانين والدستور المغربي، وتحديدًا فصله 36، لا يُفرّق بين الملك العام والخاص حين يتعلّق الأمر باستغلال المنصب للإثراء أو قضاء المصالح الخاصة. بل يُلزم الدولة بمحاربة تضارب المصالح، والرشوة، والإثراء غير المشروع بكل تجلياته- ليس مجرد خطأ إداري، بل عينة مركّزة عن الطريقة التي يُدار بها مجال التعمير في بلد يُفترض أنه اختار طريق التنمية والشفافية.
إن ما نحتاجه اليوم ليس تبريرات باهتة، ولا مؤتمرات صحفية تُركّب على منجزات غيرها، بل محاسبة واضحة، وتفعيل لدستور البلاد الذي يربط بين السلطة والنزاهة، ويمنع تحويل النفوذ السياسي إلى سوق عقاري مغلق على “أهل الثقة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *