وحدة اليسار ، أو الحلم حين يتحوّل إلى مهنة موسمية

حميد طولست….كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

بدون شماتة يلاحظ أنه مع اقتراب موعد الإنتخابات ، يعود الحديث من جديد، وكأننا في موسم انتخابي دائم، عن “وحدة اليسار” ،حديث يتكرر بنفس الحماسة، ونفس النبرة الحالمة، ونفس النتائج ، أي: لا شيء.
في الواقع، لم يكن هذا النقاش يومًا شأنًا عموميًا، بل ظل حبيس قاعات مغلقة، يتداوله “يساريو المنصات” ومناضلو الأحزاب فيما بينهم، في ندوات داخلية من طراز “منا وفينا”. أما المواطن، الذي يُفترض أن يكون موضوع هذا اليسار وسبب وجوده، فغالبًا لا يعلم أن هناك أصلًا نقاشًا دائرًا حول توحيد من لا يشعر بوجودهم.
وهنا تبرز أولى الحقائق القاسية: يسارٌ يدّعي تمثيل المجتمع، لكنه يعيش في عزلة شبه تامة عنه.
أما الحقيقة الثانية، فهي أشد قسوة: هذا النقاش ليس سوى شكل من أشكال الهروب الجماعي من مساءلة الذات ، فبدل طرح السؤال البسيط والمؤلم: لماذا فشلنا؟ يتم القفز مباشرة إلى السؤال المريح: كيف نتوحد؟ وكأن الوحدة وصفة سحرية تعالج عجزًا مزمنًا.
الغريب أن هذا “الحلم الوحدوي” ينتهي في أغلب الأحيان إلى نتيجة عكسية: مزيد من التشرذم، ومزيد من الشروط التعجيزية، ومزيد من “الأنا” المتضخمة التي تجعل كل فصيل يرى نفسه هو الأصل، والبقية مجرد هوامش ينبغي أن تلتحق به.
المشكلة في الحقيقة ليست في غياب الوحدة ، فالتجارب السياسية، داخل المغرب وخارجه، تُظهر أن التنوع لا يمنع الفعالية ، هناك أحزاب تُصنف يمينًا، متباينة تنظيميًا، متنافسة انتخابيًا، لكنها تظل مؤثرة. وهناك يسار في دول أخرى، مشتت تنظيميًا، لكنه حاضر مجتمعيًا.
ويبقى المشكل أعمق من ذلك بكثير ، لأن المشكل ، مشكل يسار فقد البوصلة، وأصبح يعتقد أن سبب ضعفه هو “الآخرون”، لا عجزه عن التغلغل وسط المجتمع، ولا فشله في فهم أولوياته، ولا غموض خطابه، ولا انفصاله عن الواقع اليومي للناس ، الذين لا تنتظرون تنظيراته حول “الكتلة التاريخية”، ولا بياناته حول “التحول الديمقراطي الشامل” ، ولكن ينتظرون احتضانه لقضاياهم البسيطة والمعقدة في آن واحد: صحة بكرامة، تعليمًا حقيقيًا، شغلًا مستقرًا، وتقاعدًا لا يُشعر بالإهانة ، مع تراجع القدرة الشرائية، والتهاب الأسعار بلا رقيب، ولحم يلامس 120 درهمًا، وخضر تقفز من درهمين إلى عشرين، وسردين يقترب من أن يصبح سمكًا فاخرًا… وحكومات تؤكد أن الأسعار “في المتناول”، وإعلام يبرر غلاء السردين بتقلبات جيوسياسية عابرة للقارات، ومحللون لم يذوقوا الحليب يومًا، يشرحون لك معاناة شعوب أخرى في طوابير الحليب، وكأن المقارنة صارت إنجازًا.
ووسط هذا العبث، ينشغل اليسار باليسار ، وينشغل بمناقشة “وحدة اليسار”، بشروطها النظرية المعقدة، وبحساسياتها التنظيمية الدقيقة، وبحروب الزعامة الصغيرة، وكأن المواطن مطالب أولًا بفهم هذه المعادلات قبل أن يُسمح له بالاستفادة من نتائجها.
لقد تحولت “وحدة اليسار” من أفق سياسي إلى طقس دوري، ومن مشروع مجتمعي إلى شعار للاستهلاك الداخلي، يُرفع كلما اشتدت الحاجة إلى تجنب السؤال الحقيقي: كيف نعود إلى الناس؟
الحقيقة التي يصعب الاعتراف بها هي أن اليسار، بصيغته الحالية، لم يعد قوة اجتماعية، بل أصبح جزرًا صغيرة، لكل جزيرة يسارها الخاص، ومرجعيتها الخاصة، وزعيمها الذي لا يُخطئ.
يسار بزعامة فلان، ويسار بمرجعية علان، ويسار يرفع شعارات الحداثة، وآخر يزاوج بين الخطاب التقدمي والنَفَس الوعظي، في توليفة غريبة تجعل التكبير والتهليل يتجاوران مع خطاب “التقدمية”، بينما تُمارَس في الواقع نفس آليات الزبونية والمحسوبية التي يُفترض أنه جاء لمحاربتها.
في النهاية، لا أحد يختلف حول أهمية التنسيق أو حتى الوحدة، لكن تحويلها إلى قضية مركزية، في غياب مراجعة عميقة للذات، ليس سوى إعادة تدوير للفشل.
فالوحدة لا تُبنى بين كيانات ضعيفة تبحث عن النجاة، بل بين قوى حاضرة في المجتمع، قادرة على التأثير فيه، وعلى تمثيله بصدق.
وإلى أن يحدث ذلك ، سيظل اليسار يناقش وحدته، بينما يتوحد الواقع ضده.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *