حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
أو حين يصبح الدفاع عن الخصم قمة الغيرة على الوطن
قرأت مقالة السيد عبد الرحمان الغندور المعنونة: «إلى الذين أعماهم الخلط فارتموا في جوقة التطبيل للعدوان باسم الوطنية والوطن»،
فوجدتني أمام تمرين لغوي بديع في فن قلب الحقائق، حيث تتحول أبسط بديهيات السياسة إلى ألغاز فلسفية معقدة ، يبدو أن السيد عبد الرحمان الغندور قد فتح لنا من خلالها باباً جديداً في علم السياسة، باباً لم نقرأ عنه لا عند ميكيافيلي ولا عند هنتنغتون ولا حتى في أدبيات الخطابات الحماسية لزمن عبد الناصر ، إنها مدرسة فكرية جديدة يمكن أن نسميها ببساطة: مدرسة الوطنية بالمقلوب.
فوفق هذا الاكتشاف الباهر، يمكن للمواطن أن يبرهن على إخلاصه لوطنه عبر مساندة من يعاديه، وأن يثبت غيرته على قضاياه المصيرية عبر مهاجمة من وقف إلى جانبه ،ن باختصار: لكي تكون وطنياً حقيقياً، عليك أن تدافع عن خصم بلدك ثم تشرح لنا، بملامح وقورة، أن ذلك كله باسم “المبدأ الأخلاقي الذي لا يتجزأ”.
والحال أن السياسة، منذ أن عرفتها البشرية، لم تكن يوماً درساً في الأخلاق المجردة يلقى على المنابر أو يُكتب خلف شاشات الهواتف الذكية ، السياسة كانت دائماً، شئنا أم أبينا، فن قراءة المصالح والوقائع والذاكرة.
لكن يبدو أن الكاتب يطلب منا فجأة أن نعاني من فقدان ذاكرة سياسي جماعي ، وأن ننسى ببساطة مواقف معلنة ضد وحدتنا الترابية، وأن نتجاهل تاريخاً من المناورات والتحالفات التي لم تكن يوماً في صالح المغرب، ثم نقف لنصفق بحماس لأن “المبدأ الأخلاقي” يقتضي ذلك.
ولأن ذاكرتنا – مع كامل الأسف لمن يراهن على عكس ذلك – ليست ذاكرة سمك، فإننا نتذكر جيداً أن آلاف المغاربة سقطوا شهداء في معارك لم تكن مجرد نقاشات نظرية على الورق، بل دفاعاً عن الأرض والسيادة والكرامة ، كما نتذكر أيضاً ما تعرض له المغرب من عدوان ومؤامرات استهدفت أبناءه وثقافته وتاريخه.
ولولا حكمة الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، وصمود الجنود المغاربة في معارك كلتة زمور وبئر أنزران والحوزة، لربما كنا اليوم نناقش خريطة المغرب باعتبارها مجرد احتمال جغرافي قابل للتقليص.
المفارقة الطريفة في المقال أن صاحبه يتحدث مطولاً عن “النضج السياسي”، بينما يقوم فعلياً بأبسط أشكال القفز فوق الوقائع: تحويل الصراع الواقعي إلى مسألة أخلاقية مجردة، ثم مطالبة الآخرين بالتصفيق لهذا التبسيط المريح.
والحقيقة أن الوطنية لا تحتاج إلى هذا القدر من الأكروبات البلاغية.
الوطنية شيء أبسط بكثير: أن تعرف من يقف معك ومن يقف ضدك، ثم تتصرف على هذا الأساس.
أما تحويل الخصومة السياسية إلى تمرين أخلاقي عالمي، يصبح فيه الدفاع عن خصوم بلدك أعلى درجات الوعي، فذلك ليس نضجاً سياسياً بقدر ما هو محاولة لتلميع تناقض واضح بلغة إنشائية ثقيلة.
باختصار:
إذا كان هذا هو تعريف “الوطنية الناضجة”، فربما نحن – بكل بساطة – ما زلنا نفضل الوطنية العادية ، تلك التي لا تطلب من المواطن أن يدافع عن خصوم بلده كي يثبت حبه لوطنه.