لا أحد، من حيث المبدأ، يمكن أن يخاصم مدينته لأنها قررت أن تتزيّن. ولا عاقل يعترض على أن ترى فاس، مدينة التاريخ والروح والعلم، منشآت عصرية تضيف لفضائها لمسة جمال أو متنفسًا اجتماعيًا أو حتى رافعة اقتصادية. بل إن تشييد مرافق رياضية فخمة—ولو كانت قاعة للتزحلق—قد يُقرأ، بنية حسنة، في خانة “زيادة الخير خيرين”، كما كانت تقول الأمهات حين يفيض القدر بما لذّ وطاب. لكن المشكلة في فاس ليست في التزحلق، بل في التوقيت. ليست في الفكرة، بل في السياق. وليست في الجليد، بل في الوحل. فبينما يُفترض أن تخفف قاعة التزحلق عن ساكنة المدينة وطأة حرارة الصيف—التي لا تحتاج شهادة خبراء لتؤكد أنها تقارب الخمسين—وتمنحهم فسحة نسيان، أن الأطفال في الأحياء نفسها يتزحلقون يوميًا، وبالمجان، فوق طبقات من الوحل المتراكم، ويتعلمون فنون التوازن القسري بين أكوام الأزبال، ويتدربون على القفز فوق الحفر الواسعة التي تُتقن “تكعيبل” المارة أكثر مما تتقن أي رياضة أولمبية. العجيب—والعجب في فاس لا ينتهي—أن هناك من يستغرب اعتراض المواطنين على قرار “استغلال فائض الميزانية” في الترفيه عنهم. كأن الترفيه صار علاجًا شاملًا لكل العلل، وكأن المدينة إذا ما تزحلقت قليلًا ستشفى من أوجاعها المزمنة. مسؤولون ينظرون إلى المشروع باعتباره مرهمًا حضاريًا، وساكنة ترى فيه ملحًا يُرش على جراح لم تُخَط بعد. هنا يتجلى الفارق بين نظرتين: نظرة ترى أن التزحلق سيقلل من أنين المدينة، وأخرى—ناكرة الجميل كما يُقال—ترى أن الأنين لا يُسكَت بالجليد، بل بإصلاح الأعصاب المكشوفة في جسد المدينة. أهل فاس، الذين يعرفون مدينتهم حجرًا حجرًا وحفرةً حفرة، لا يكرهون الفرح، ولا يعادون الترفيه ، لكنهم يسألون، بسخرية مُرّة: هل تحتاج مدينة تُعدّ المستوصفات فيها بالأرقام البسيطة، والمدارس فيها مكتظة، ودور تربية الجيل—الذي يتسرب أخلاقيًا وتعليميًا—شبه غائبة… هل تحتاج هذه المدينة أولًا إلى قاعة للتزحلق؟ أم إلى قاعة انتظار في مستشفى؟ أم إلى فصل دراسي لا ينهار سقفه مع أول مطر؟ الترف، يا سادة، ليس جريمة، لكنه يصبح استفزازًا حين يسبق الضرورة ، ويغدو كاريكاتورًا حين يُقدَّم بوصفه حلًا لمشاكل لم تُشخَّص أصلًا ، ففاس لا ترفض التزحلق، بل ترفض أن تتزحلق أولوياتها. فليكن لنا جليدٌ نمرح فوقه، نعم ، لكن بعد أن نجفف الوحل من الشوارع. ولنفرح بالرياضة، نعم ، لكن بعد أن نُسعف المريض، ونُدرّس الطفل، ونصون كرامة المدينة. أما أن نضع قاعة للتزحلق فوق أرضية متشققة، ونطلب من الناس أن يصفقوا ، فذلك ليس ترفيهًا، بل عرضٌ بهلوانيّ على حافة السقوط.