إنجاز د الغزيوي أبو علي
إذا كانت التربية هي العلاقة الاجتماعية بامتياز، فإنها تهدف إلى تحليل المجتمع لترسخ تغيراته، فهي وسيلة ونموذجا لما هو اقتصادي، ليست سلسلة من الوصفات العملية، بل هي طريقة انتباه للعالم الخارجي، لكن هذا المفهوم التربوي قد طرح عدة قضايا في مجتمعات سواء كانت رأسمالية، أو تقليدية أو اشتراكية، ويرى إيفان إليتش أننا لا نحتاج المدرسية لأنها مرآة المجتمع الرأسمالي، فهي تقاوم كل تغيير ولأنها تؤسس لنا معابد خيالية للمعرفة، من أعلى البرج العاجي لغير العارفين، وكلما تقدم المجتمع الرأسمالي كلما تقدمت التكاليف، وقلت المعرفة عند المتلقي، إذن يرى إيفان إليتش أن المعرفة ليست محصورة في المدرسة بل نجدها في المتاحف، والمصانع والمتاجر، ولهذا دعا كارل روجرن بدوره بإلغاء التعليم وترك الفرصة للقارئ لتأسيس نفسه بنفسه، وهذا ما يسمح لنا بتحليل المعطيات لمعرفة هذه المواقف المتطرفة التي تؤكد على أن المدرسة تستحق الضعاف، وتنتج اللامساواة بدل أن تمحيها، فإليتش كما ذكرت يدعو دوما في كتاباته إلى إلغاء سلطة المدرسة وهذه الدعوة الإقصائية نجدها عند تولستوي أيضا وفي هامبورغ وفرنسا وأنجلترا، وإيطاليا، وغيرها من التجارب الفكرية المتأثرة بهذه الأفكار الفوضوية واليسارية، فصاحب (الحرب والسلم)، يدعو إلى إعطاء المتعلمين الحرية، والتجربة بعيدا عن القيود فهذان المعياران حسب رأيهما قادران على خلق متعلم ناجح وهذا ما يلائم ما قاله روسو بأن الإنسان يولد مكتملا، لأن التربية لا تجعل منه كائنا أحسن وأفضل، إذن فالأسبقية لحرية الطفل.
فهذه الحرية ستقوده نحو النزعة الأخلاقية وكذا الانفتاح على العالم الخارجي، لكن اسؤال الذي يطرح على هؤلاء الفوضويين مرة أخرى هل يستطيع الطفل أن يقود نفسه بنفسه؟ هل هذه الملكات التي يحتويها غير قابلة للمساءلة وللتصحيح؟ وهل نترك الطفل يتمتع بحرية مطلقة أم نجبره بقبول الواقع؟ إن هذه الأسئلة اليوم أصبحت سلاحا استراتيجيا يمكن استعماله للسيطرة والتحكم في ميكانيزمات الإنسان، حيث أن المجتمع البورجوازي يبسط نفوذه لكسب رهان ونجاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي سواء تعلم الأمر بالفرد أو بالجماعة، ولكن إذا عدنا إلى تاريخ التربية فإنها لم تأخذ شرعيتها إلا في الستينات، حيث طرحت عدة تيمات كالتنمية التعليمية، والهدر المدرسي، والفشل، وتكافؤ الفرص، والديمقراطية التعليمية، والانتقاء المدرسي، والتكوين والشغل، فهذه التيمات هي منبثقة من الواقع الاجتماعي لهذا ظهرت عدة اتجاهات كالإصلاح الدوركايمي الذي رأى أن التربية هي وظيفة اجتماعية بالذات1، فهي التي تنمي للمتعلم جسده، وفكره وأخلاقه وأيضا توفر له البيئة المتلائمة2، فهذا التأهيل التربوي هو بمثابة الأدوات التجهيزية التي تعمل على تشكل الكائن الاجتماعي مستقبلا، فالفرد حسب دوكايم لا قيمة له إلا داخل الجماعة، فهي التي تخلق فيه الروح الجديدة، وتجعله أيضا قادرا على تحمل حياة الجماعية، فالتربية حسب دوركايم هي التي تمنح للفرد بالانتقال من وضح حيواني إلى وضع إنساني يتحكم فيه العقل ويؤهله أن يكون شخصية مرموقة، وهذه الخلفية الفلسفية وتعقد الثقافة العلمية جعلت الفرد يستخدم عقله باعتباره علم قوانين الفكر، حيث يستطيع به مسايرة التطور الحضاري والتقدم العلمي، فالعقل هو علم قوانين الفكر والمركز الذي يعمل على تصنيف الأولويات والضرورات من أجل بناء المستقبل، ولكن لا يتحقق هذا الهدف حسب دوركايم إلا بالدولة فهي الراعي الأول في تسيير المجتمع ونظامه ووحدة فكره، حيث يستحيل بدونها أن يكون هناك الفرد، ولا التربية، بل لابد أن ينخضعا لها3، ولكن على الدولة أن لا تفرض قوانين تضر الفرد والمجتمع، بتوجيهاتها، ولا تفرض نفسها بالقوة أو بالإيحاء والإقناع4، فالتربية هي إبداع، وتفكير، وتطور واختلاف، لا انصياع وخضوع، فهي الإرث الإنساني والعلمي ، والتربوي فلابد أن يكون مجددا وتقدميا حتى يميل المتعلم إليه ليعرفه بالمناهج، وكيفية تحليل المشاكل التي تعترضه في حياته، ولتجنب هذه الفوضوية والعنف والهيمنة لابد لنا أن نقر بأن التربية هي الحرية، وأن الدولة عليها المراقبة والتدبير والمعاقبة، ذلك تبعا سنة التطور، وقانون الممارسة التربوية، فإن التصور الإنساني الكلياني لدى دوكايم تعرض لانتقادات عدة منها أولا: اعتماده على الاختيارات المثالية والطبقية، وثانيا لم يربط التربية بأبعادها الاقتصادية، بل همه كفيلسوف هو إضفاء مشروعه الكلياني الهيكلي، دون أي خروج عن الدولة الرأسمالية، باعتبارها نورا يفيض بالمثالية كما يقول كارل ماركس5، لكن كارل ماركس يرى أن هذه التربية تخدم البعد البورجوازي ماديا ورمزيا، مما يعوق التطور المعرفي لدى الطبقة البروليتاريا، فكرا ووعيا، ويحجب عنها الحقيقة الوجودية، وهذا ما جعل المحللون بدورهم يتهافتون لكشف قناع السلطة المادية التي تنقل كاهل العامل والفلاح، والطالب مما يجعل التعليم يخضع لشروط خاصة غير الشروط التي وضعها الدولة المحترمة، إذن فالسؤال من يتحكم في نظام التعليم الخصوصي، ومن يوجهه؟ وهل الطاقم الإداري قادر على إنجاح العملية التعليمية التعلمية في هذه المدارس الخصوصية؟ أسئلة كثيرة تقربنا إلى جوهر المشكل الذي يعاني منه المغرب، حيث نجد أغلب المدارس الخاصة لا تملك وعيا تربويا، بل أن أصحابها لا يملكون إلا المادة، لذا نجد التفاوت في الأثمنة والاستغلال في التكوين، من هنا تساءل ماركس وإنجليز، عن الموقع الذي يحتله الفكر داخل النظام التعليمي، فيرى أن هذه الحرية الفكرية ليست سوى شعار بورجوازي الذي تحول بدوره إلى قوة اقتصادية تسوق للتربية دون الكشف عن الواقع الحقيقي.
فالمتعلم في المدارس الخاصة يتعرض للحصار وللقمع وكل ما يتعارض مع حقوق الطفل، إذ ترسخ فيه المدرسة المضمون الأخلاقي والثقافي والاجتماعي بالقوة دون حوار يذكر، لأن طغيان الجانب النظري وتهميش الجانب التجريبي للطفل يبطل عقله وحواسه فتصير جوفاء أو عمياء كما يرى كانط، إذ ينبغي أن نعلم المتعلم التربية الإبداعية والفكرية والتكنولوجية كي يصبح فردا متعلما قادرا على إدراك الوجود وأيضا قادرا على استخدام التكنولوجيا بكل أدواتها المتحددة كما يرى جان كلون باسرون وبيير بورديو، وغيرهم من الباحثين، فإذا أخذنا بيير بورديو في كل أبحاثه السوسيولوجية التربوية، فإننا واجدون أنه يدعو إلى إعادة إنتاج المنظومة التربوية وفق نسق موضوعي علمي، لأن المدرسة هي جزء من المجتمع، لأنها عبارة عن عملية إنتاج تحكمي عملي مزدوج يهدف إلى إعادة المنتوج الثقافي الرسمي على الطبقات السائدة في المجتمع6، لذا نجد أن الطبقة الميسورة ترتبط بالوظائف العليا، أما الطبقة الكادحة فيبقى أمامها إلا مهام المراقبة والمعاينة ولا يسمح لهم بالولوج إلى هذه المناصب إلا وفق شرط عائلية أو طبقية، أو قبلية أو تقارب في الدم، أو النفوذ المشار إليه7، وهذا ما فعلته فرنسا أثناء الاستعمار، فهي استغلت الإنسان والأرض والحيوان، ولم تهتم بالإنسان، فهذه السيطرة الطبقية أبدعت لنا استراتيجية نموذجية تعتمد على التماسك العضوي كما ناد بها ماكس فيبر ودوكايم والشرعية، لكن ماركس وغيره من الباحثين وجدوا في هذين المفهومين طابعا تناقضيا بين من يملك المؤسسة، ومن لا يملك إلا الأداء الشهري، وهذا هو العنف الرمزي الذي يحافظ على هذا النظام، وعلى علامة النفوذ غير المتضمنة، في التعريف للتواصل بين الأسرة والمدرسة، أي تعاود الطبقة المالكة إنتاج الاصطفاء التعسفي الذي تنفذه موضوعيا المجموعة أو الطبقة في تعسفها الثقافي بواسطته8،فهذا الطرح لا يدعو إلى التغيير، بل يقربنا إلى يعطى النظريات السوسيولوجية التي يرى أن التغيير يتجه صعودا وهبوطا في تموجات على شكل أنصاف قطعية متتابعة وبنظام مطرد، بحيث يعود المجتمع من حيث بدأ في دورة معينة، وتنقسم هذه النظرية إلى قسمين، بعضها يعود إلى الرأسمال الاقتصادي الذي ينتمي إليه، وفي هذا الإطار نرى أن التعليم الخصوصي أحدث تغييرا في التكلفة المادية، ولم يحدث تغييرا في مستوى الأساتذة المنخرطين في هذا السلك التربوي، حيث أننا نجد أغلبهم لم يلجوا المعاهد العليا، ولم يعرفوا تكوينا تربويا، وهذا ما جعل المجلس الأعلى للحسابات ينادي بإعادة التكوين والبناء لهؤلاء البشر من المدرسين، لأن أغلبهم طلبة جامعيين وليسوا أساتذة تخرجوا من الأسلاك التربوية.
فالفعل التربوي بصفته قدرة من العنف الرمزي والثقافي فهو بالضرورة معارضة اجتماعية سلطوية تواصلية، لأن المتعلم غير قادر على مناقشة هذه السلطة المكلفة والممارسة، مما يجعله خاضعا لأنها مشرعنة من ذي قبل، وهذا اللاتكافؤ هو الذي يعطي للتعسف الرمزي التشكيلة الاختيارية والانتقائية ويقربنا من إعادة إنتاج فعل التراتب الطبقي، وهذا الغرض النموذجي هو الذي يجعل الوعي الفردي خارج السلم الإداري، لأنه لا يكون مشاركا في العملية البنائية، وهذا ما سماه بورديو بإعادة الإنتاج الرمزي، فالمدرسة إذن كيان اجتماعي مصنوع من قوانين، وأحكام، وأخلاق، وليست بدعة، بل هي كيان صناعي إبداعي ونضالي، لذا صنعت هذه المدرسة مفكرين وفلاسفة، وأدباء وشعراء وعلماء، ومهندسين وغيرهم.
لا يعتبر الطريق المتبع في الإجابة عن سؤالنا قطيعة مع التاريخ أو إنكار له، بل امتلاكا وتحويلا لما يشاهد ويعاش من طرف المدرس، فمثل هذا الامتلاك للتاريخ التربوي هو ما نشير إليه تحت عنوان التدمير التربوي، وقد قدمنا شرحا في مقالات حول هذا التدمير الذي تتعرض له المدرسة والجامعة من طرف الطرشان وأصحاب الوضع والتنزيل، لأن التدمير عندهم لا يعني فتح العينين، ولا الأذنين بل هو نداء الإصلاح والترقيع، في الوقت الذي نقول فيه، أن ملاحظة قد فرضت ذاتها علينا “التعاقد” دون الوصول إلى التوافق مع وجود الموجودات البشرية، إذن ألسنا نحن البشر ضمن هذا التوافق؟ لا فعليا فحسب، لأن الطرشان يصنعون ما يوافق الصندوق النقد الدولي، وما يملي عليهم الغرب من هيمنة وتبعية تربوية، إذن أين هوية المدرس من كل هذا الإصلاح؟ إن هذا السؤال هو بحاجة إلى إجابة شافية، ولكي يكون الإصلاح هو الحقيقة ونيل المشروعية التربوية، ينبغي معرفة الخلل الأنطولوجي والإبستمولوجي، لأن مشكلة الإصلاح الذي تنادي به الوزارة الوصية، هو عبارة عن مشكلة الخلط بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية في الدراسات التربوية التي تدون على ضوء التوجهات الفكرية في مركز الأبحاث والدراسات الغربية، فالحقيقة التي ندركها في مدارسنا وجامعاتنا ليس لها مصداقية داخلي، بحيث لا تخضع لإدارة الإنسان المبدع بل للإنسان المسؤول في وظيفة ما أو مالكا لشيء ما من القوانين، فهذه الأمور هي صناعة مؤدلجة باعتبارها وسائل معتمدة لتلبية متطلبات الخارج وليس الفرد والمجتمع في الحياة كما يقول محمد حسين الطباطباني في كتابه أصول الفلسفة جII ص142 ، فالعمل التربوي لا يفترض الصدفة، إنه عمل غائي له مبرراته الموضوعية، يهدف إلى إنتاج مدرسة ناجحة، حيث يستوجب مهارات بيداغوجية خاصة لا استقرائه، وإعادة إنتاج الاجتماعي للتمكن من تأسيس منطق العلاقات والأدوار التربوية، هكذا يطالب المجتمع المغربي اليوم بإيجاد مدرسة قادرة على إنتاج فكر مغاير كما كانت في الستينات والسبعينات، وهذا الغياب اليوم تبرره رهانات المتعلم الغير القادر على مسايرة الركب التعليمي التعلمي، مما يولد الانقطاع وأيضا الهدر المدرسي، والضعف في التلقي المعرفي، لأن التلميذ يكون مشحونا بمواد لا تساير واقعه ولا طموحاته، فيبقى غريبا عنها، مما يجعله يكره هذه المواد العمياء دون فهم ولا تفسير، إذن فالقطع مع المدرسة يعني مواجهة مع التساؤل الذي طرحه المجلس الأعلى للحسابات، ليس فقط سوسيولوجيا ولا تربويا بل في مختلف خطوات التفكير والتحليل التي يفترضها الانتماء التربوي كحقل التطور والتحديث الديداكتيكي والبيداغوجي، فإذا أخذنا مثلا التعليم الخصوصي باعتباره إغراءا ومنتجا للدولة، فهو مسكن للأغنياء ومنبت لهوية متميزة، لأنه يحاول أن يعيد لنا كما يرى بيير بورديو نفس الإنتاج الطبقي، في الوقت الذي ندعو فيه الوزارة الوصية بإحداث تنوع معرفي وثقافي وعلمي دون ابتكار شعارات ومهارات ولا سلوكات ترقيعية التي لا تتلاءم مع شروط الفعل الإنساني المعاصر، لأن الحس الوطني والإنساني هو الذي يؤطر فهمنا وتحليلنا لما يجري بين النقابات والتنسيقات من أجل إعادة كل المنظومات الجديدة أن تقطع مع لغة الخشب، وذلك من أجل رسم قطيعة مع ما هو كائن انتقالا نحو المعرفة الموضوعية التي تحمل بعضا من أجوبة المنتظرة عن أسئلة المدرس والواقع وإشكالاته، فاستثمار الموارد البشرية المكونة تكوينا تربويا هو الذي يسمح لنا بالانتقال من مستوى تربوي مثقل بالنظريات والمنهجيات إلى المجال التربوي العلمي الذي يكون فيه المتعلم هو السيد، وأن نوفر له المجال المدرسي، والصحي والترفيهي والإبداعي، كل هذا يكون منضبطا لروح الاشتعال والمحاسبة ومطالبة بالمردودية، إذن فلا مجال من معرفة علمية ولا أدبية ولا اقتصادية بدون مختبرات، ولا بملاحظات نظرية متخيلة، والتي تروم إعمال النظر التجريبي والتفكير في مختلف شؤون الحياة المدرسية والاجتماعية، ويرى غوي روشي في كتابه “مقدمة علم الاجتماع العام” ص11 (بالفرنسية)، إن فهم الجماعات الإنسانية في صيغ الإنوجاد والتشكلن وكذا صيغ ارتباط الفرد بها، وأيضا التنظيم والتأسيس الممكن للأطر الاجتماعية للحياة الإنسانوية وأخيرا فهم وتحليل إنتاج ونمو وتغير المجتمعات، فالتربية كما ذكرت ممارسة ميدانية وفكرية وأخلاقية عملية، تفكك الأسئلة الأسرية والفردية، وتعيد اختبار مقولات المدرسة من وخلال الواقع، ودةنها انفصال يذكر بين النظري والتجريبي، وكل هذا من أجل احتواء لجغرافية الإنسان المتعلم، لذا فالممارسة التربوية تتطلب النزول إلى الميدان للتمكن من معرفة أسباب النقص والضعف لمعرفة ما يستوجب الاتصال به والانفصال عنه، وهذا ما يتطلب خلق أساتذة باحثين الذين يحملون لذة الجمال ومبدأ الحكمة، وهموم الأسئلة المستمدة من الحقول المعرفية لأنها أسئلة تنطوي على العسر واليسر، وكذا أقوى اللحظات الدرس والحفر الأركيولوجي، لا أن يبقى المشرق التربوي ولا الموجه هو الذي يدعي الكمال والاكتمال، بل إنه المدرس هو الفاعل والمتفعل في الفصل الدراسي، فهو الكاشف لأسرار الفعل التربوي ولحضوره وامتداده إذن فالإصلاح ينبغي أن ينطلق من توجهات المدرس وقوته وشرعيته، إنها فاتحة لبداية التي لا تقبل المساومة ولا التفاوض في هذا الميدان، لأن آليات البحث تقتضي التمييز بين ما هو اقتصادي (خاص) وما هو اجتماعي (عمومي)، وهذا يقربنا إلى استثمار الحواس والتقاط تفاصيل الممارسة والميدانية لتبويب الموضوعي للتربية، لهذا ترى أن العديد من الدول قد عرفت قفزة نوعية في هذا الميدان، لأنها تجعل المتعلم في قلب العملية التربوية، تسمع لحواسه، وتعرف ميولاته، ورغباته، بإعادة توجيهه توجيها سليما، لا تفرض عليه برامج لا تلائم فكره ولا سلوكه وخياله، فيبقى مكبلا بها ومغلقا داخل احتمالاتها، إذن ما جدوى من هذا الإصلاح المزعوم؟ وهل من مبرر لإصغاء لصوت المدرس؟ إن عالم التربوي عالم يفكك الثابت ويدرس كافة التفاصيل من أجل فهم الأنساق والعلل وقطع الطريق مع التراتبية والتواطؤ وما يعني أيضا من مراهنة أكيدة على التعرية والاختلال، وبذلك تصير التربوية المعقلنة أداة موضوعية عملية للمراجعة والنقد في أن تسمح للمدرس أن يحس بكينونته وتموضعه في السياق العام والخاص، لا أن يكون ضميرا منفصلا عن كل عملية إصلاحية فإلحاح المدرس الدائم على وجوب المشاركة لا يعني استبداله بعين نقابية في قراءة مشروع الإصلاح، بل هو السيد والضابط لهذا البراد يغم الصارم والصحيح دون الاستعانة بالتنسيقيات فليست الممارسة مجرد ترف ذهني ولا سلوكي، إنها مهمة نضالية تربوية، لا تقتنع بالمقاربات الخارجانية ولا بالمؤدلجة، ولا تقف عند الثابت، بل تقتضي منا الالتزام البحثي اتجاه الذات واتجاه الفرد والجماعة كما يرى ألان تورين في كتابه “هل فكرة المجتمع ضرورية” تر محمد سبيلا – الرباط 1987 ص65، فالعمل التربوي الجامعي يفترض الصدفة كعمل قيمي يستوجب مهارات خاصة كما ذكرت لاكتشاف شروط إعادة المؤجل، وإضفاء المطمح الموضوعي لفهم البعد المنهجي، لا أن يكتب الطالب في السواد بأسئلة غير تفجيرية كما يرى بيير بورديو، لأن السؤال المعقلن هو الذي يؤسس شروط البناء الأولي، ويقودنا إلى نهاية مفتوحة في مساءلتها ونوعية تحولاتها المجتمعية، وذلك لمعرفة ما هو مختفي باستمرار كما يرى ألاتورين في كتابه المذكور، فشروط إنتاج عمل تربوي يظل مطمحا أثيرا بالنسبة لنا يقتضي استحضار المعرفة القبلية التي تضع الذات، وتسهم في تشكيل الواقع التربوي، والمرحلة الثانية تقربنا إلى تفسير وتحليل التي تفكك النسق العام، وتقرأه بعيدا عن الذاتية، كل هذا من أجل تحريك المياه الآنسة، وتبعثر الأوراق والحسابات، وتهديد مصالح مالكي وسائل الإنتاج والإكراه بأسئلته الشقية، كما يرى بول باسكون في كتابه “في علم الاجتماع القروي” ص41، إن رهان البحث التربوي يجب أن يكون متصلا بالجرأة النوعية التي تقطع مع المداهنة والمحسوبية، وأن يقاوم كل فكر الذي يسكننا كما يرى بورديو وجب اسرون في كتاب “حرفة عالم الاجتماع”، ونظير جاهل – دار الحقيقة – بيروت ص33 – 34، فالتربوي عليه أن يقطع حبل الوصال مع المخلوقات المنظرة والمؤدلجة، وأن لا يعتمد الاختزال، وأن يأخذ على عاتقه التاريخ، والمجتمع، والفكر، والإيديولوجيا، والوجود كما يرى عبد الكبير الخطيبي في كتابه “النقد المزدوج” 1990 ط1، ص142، ففهم لعبة الإصلاح هو الذي يساعدنا على النقد الواعي والنوعي والمشترك بين الفكر والواقع من أجل خلق مسافة بين الهدف التربوي والممارسة السياسية والانتخابية وكذا الامتيازات المصلحية الذاتية، لهذا لا يمكن تصور أي إصلاح أصيل دون إعادة الاعتبار للشواهد الجامعية، وللباحثين سواء في القطاع الخاص أو العام، لأن هذه الشواهد بمختلف منابعها تقربنا من دوائر الاشتغال والاندماج في القارة التربوية، بحيث تصير نتائج هذه الشواهد مفيدة للدرس التربوي من الناحية العلمية والعملية، رغم أنها ولدت في زمن الأزمة بامتياز، كمقولة مركزية في الدرس التربوي، حيث تقربنا من مركزية الأزمة، لتجعلنا نفكر فيها داخليا وليس خارجيا كما نرى، وهذا المسعى الداخلي لا يكون ممكنا إلا باعتماد مقاربة شمولية تعيد الأسئلة ليست كما يرونها، ولكن كما نراها نحن الباحثين، فهي ممكنات لا محدودة في مستوياتها النفسية، والاجتماعية والثقافية، وفهم للثوابت والتحولات، فلا يمكن التمكن منها إلا بالارتكان إلى الخلفيات التي يتوكأ عليها الحياد الموضوعي كما يرى ماكس فيبر، إن الفعل التربوي اليوم هو القدرة على تحويل مشكلات المتعلم والمدرس إلى أرضية مفتوحة قابلة للدرس والتحليل، وإفهام لمنطقها الداخلي المفترض، واستلهام لمناهج شتى لإقامة جسر التواصل مع القاعدة الجماهيرية، لأن الاستعانة بالنتائج التي تقدمها العلوم بشتى أنواعها هي الضامن الأول لفهم الظواهر التربوية الموغلة في التركيب والتعقيد.
خاتمة:
ومهما يكن من أمر، فإن هذا التوصيف من الانشغالات التربوية يمكن أن تكون عنوانا بارزا للذات الباحثة، هدفها الأعمق هو الدرس والتحليل في مختلف الصيغ والبناء، وكذا من خلال التوجه بالأسئلة إلى النقابي والسياسي والتربوي وإلى التدخلات الدولية، وغيرها من التيمات التي تحتل فيها التربية ولو هامشيا محدودا في إطار الصراع الجدلي بين من يملك القرار، ومن لا يملك القرار، وبين من يدافع عن دوائر سياسية وبين من يدافع عن مصالح سياسية وذاتية أيضا، إذن أين نحن من كل هذا الصراع الأبجدي التربوي؟
المراجع:
1- Emille éducation et sociologie ed PMF – Paris 1973 p60.
2- Ibdem p49.
3- Ibdem p60.
4- منير موسى مشابك “المطول في السوسيولوجيا” منشورات كلية التربية، جامعة دمشق 1959 ص92.
5- Karl Marx et Fen G « critique de ed et l’emsei Masperp » Paris 1976 p32.
6- P, Bord, JC Passeron « la reproduction éléments pour une heure de sy d’enseig » ed minimt, Paris 1970 p13 – 14.
7- Ibd p18.
8- بيير بورديو وباسرون “إعادة الإنتاج” ص19 وص20 – 21.