إنجاز: د الغزيوي أبو علي
إن ما نراه في مسرحية “هكذا تكلمت ميديا” حيث تظل هذه الشخصيات تبحث في فضاءات بإيقاع متنوع باستمرار، لأن الأساس هو تحقيق التماس والتحام بين المسرحية والجمهور داخل الركح، إنها كتابة سيميائية تحمل رؤاها داخلها، وأن لغتها لا تبتعد عن الأزياء والموسيقى والإنارة والألعاب والأساطير بل يهدف المخرج إلى إعادة الاعتبار للإنسان والفن لتكسبه هويته، لاحتواء الثقافة العربية، ظلت المعركة بين القرائي النصي وبين الركحي في تاريخ المسرح، أعنف من تكون عادة بين غيرهم في الاتجاهات الأخرى، وذلك لأن معايير الجمال الفني كانت معتمدة من القراءة الركحية ومن الدلالي المرئي، والمقنع دون البحث عن الخصوصية ضمن سؤال الحساسية الجديدة.
يشكل هذا التنوع الوظيفي والتداولي مقومات أساسية لهذه المسرحية وفق منهجية تجريبية حيث وضعت عادة البديهيات والعناوين في قائمة الخطاب التجريبي، لأن الغرض من الاستعراض ومن هذا التعدد، هو الكشف عن شبكات الخطاب المضاعف، والاستراتيجية التي تشكل قيمة النظام التمسرحي ومنظوماته من العلاقات والأنماط الفنية داخل منظومة الركح. إن ما يؤكد خطاب المخرج هو انفراد رؤيته، وإبراز تأثيراته، وفق جملة من التيمات، كالديمقراطية والديكتاتورية والنرجسية، فهذه الموضوعات تعطي للذات المبدعة فضاءا غير محدود، فالمسرحية بكل ما تحمله من خطابات التي لا تخضع للمرتكزات المنطقية ولا القيم العلمية، بل هي خطابات اتخذت الوعي الجمعي لمحاكمة الوعي الفردي المتمركز حول الحقيقة التقليدية والتقابلية دون زرع التعارض، إنه تعارض بين حيوية الديمقراطية، وبين الديكتاتورية، فالمخرج في لعبته الإيحائية والإحالية جعلت هذه المسرحية تكشف عن هذا السقوط الاستعاري والرمزي.
- المخرج بين كتابة الجسد والبحث عن جسد مضاعف:
إن تنوع القراءات حول الجسد ودلالته، ومن منهج إلى منهج ومن ثقافة إلى ثقافة، تعدو كيانا رمزيا ووظيفيا، يصعب تحديد ولادته في الموسوعات التاريخية، والنفسية والأنتربولوجية، فهذا التنوع المراني، جعل المخرج يتفنن في هذا التوظيف، وفي هذه الممارسة الركحية، عارضا براعته الفنية التي تتم وتأسس عن قوة إبداعية غير مألوفة من بدايته التمسرحية ولكن السؤال المطروح كيف وظف هذا الجسد الركحي بجانب الأجساد المؤثقة؟ وما هي هذه العتبات والامتدادات الفنية والجمالية والإخراجية لهذا الجسد الركحي؟ تبعا لسنة التطور وقانون الممارسة الإبداعية، فإن المخرج لم يقف عند عتبة جسد النص، ولا جسد الممثل، بل عمل على الانفصال الظاهري بغية الولوج بالأصل / الغائب أي (الفني والنفسي) من أجل الولوج إلى الكل، بوصفه الجوهر الذي يظهر كل شيء عن ماهيته وحضوره حسب تعبير جاك ديريدا1، هذا التفكير اللامراني هو إعلان عن اللامكر فيه، الذي يظهر كوسيط بين النص والجسد، وبين الفهم والإيقاع، مما يجعل الأنا / المبدعة أن تنكتب لتأسيس المعنى، وجعلها تعرف ماهيتها بصياغة جديدة، لأن الجسد الممثل يبقى كمعطى يرتبط بين الصوت والمعنى، والإدراك والمعرفة، لكن هذا التمسرح الجسدي يبعثر هذه الثنائية ليخلق داخل الجسد / الممثل أنوية تمثيلية لا تنتهي للمعنى الواقع، بل تضع اللغة غير بعيدة عن المعرفة الجسدية، لأن توجه الكتابة الجسدية عنده نحو انزياحات واستعارات رمزية، يؤدي به إلى تفكيك الحقيقة الجسدية الثابتة، وبالتالي يستحيل التفكير في الجسد، وهذا ما نجده في مسرحية “هكذا تكلمت ميديا”، ومن اختياره لعناوين المسرحية فتأسيس البعد الكوليكرافي لهذا الجسد هو تواصل لإزاحة قوة المركز مع رصد الجسد وهو ينفذ من ستار اللغة، والإيماءة، لأنه هو ظاهرة كوانتية التي تزاوج بين سطوة السياق التعبيري وسرمدية التأريخ المسرحي، فالجسد يمتلك توحدا مع النصوص الأخرى دون أن تكون جزءا منها ومع النص المسرحي من جهة أخرى، ودون أن يكون جزءا منها، لأن الجسد حسب المخرج يحاول إعادة قراءة الجسد السائد في النص الدرامي وخاصة الأخلاق والتربية، كما أنه يسعى لتأسيس ذاكرة في المشهد الركحي الذي يعتمد البدلات الرمزية على شكل أقنعة ، لتأثيث دلالة معجمية جسدية، فيما تعتمد نصوص المخرج على ذاكرة الجسد المضاعف الذي يساير أصوله حسب أحوال تذوقه، ما يجعله نصا مضاعفا، وفارقا لانتهائه الرمزي، والعلاماتي باستمرار، غير منتسب لنفسه، وبالرغم من أنه ينكر الأصل، كونه يمتلك وجودا باطنيا، فوجود الكتابة الجسدية في المسرحية الممسرحة تعطي أصالتها الطبيعية، ووجودها الأنطولوجي الخارجي، لتظهر في شكل أنوية رمزية تسعى إلى وضع طروحات ومفاهيم غير خاضعة للتحديد، ولا التعيين، معتمدة على الخيال كطقس كوليكرافي يؤثث المشهد الجمالي والانفعالي الباطني.
إن تراسل الحواس هي ترتيبات لفظية وعناية دلالية، يكون فيها الجسد المضاعف (الجسد داخل الجسد) علة وجودية وغائبة، تثري الفعل المقصدي على مستوى الإمتاع واللذة، حيث لا نجد لها حضورا قارا وتمثلا مركزيا، ما في مسرحية “هكذا تكلمت ميديا”، فهذه المسرحية رغم تنوعها في الصيغة، وفي المنهج، فإن الوجود الجسدي يبقى في انفتاح تام على الرؤيا، وخرق للمشروع الكلاسيكي الأرسطي، ومتجاوزا الوضعية الاندماجية، للخروج من وضعية الجسد المقيد ليؤسس جسدا متحررا من حدوده، ويقظة ايروتيكية ليتشكل فيه، كإحالة جوانية وتركيبية حوارية، وانعكاس غير مرتبط بالتطهير، ولغة تنشد الكمال والتوحد بالأصل، واللافوضي في خلق مسافة ابتغاء لهدم الذوق، والأحكام القيمية، لنشدان الشيز وفيرونية ولتكون كائن في لا زمني ولا شخصي في الزمكان، ولتكون أيضا لغة زمنية التي تمركز حول الجسد المتعالي، فهذا التصور الجسدي (حسب جاك لاكان) هو منطق ما بعد الجسد الحداثس، لأنه بنية لغوية مؤلفة من حركة وفعل وممارسة، وتواصل، ليغدو معها كائنا لا زمنيا كما في مسرحية “هكذا تكلمت ميديا” لأن الجسد في هذه المسرحية لا يقر بالنهاية ولا بالغاية، بل يمدنا لقراءة مفتوحة ابتغاء هدم السائد المرتبط بالذاكرة، وبالمعنى، لأن للجسد المضاعف إقامته الطقسية لمواجهة الطرائق البلاغية والنحو المتوهم، جسد يصنع المعاني اللامتناهية في شكل تمفصل بين الكتابة والأنا، لتكون مفهوما غير عياديا بمفهوم (ميشيل فوكو) للعيادة، فالمخرج يرى أن جسد الممثل رقم1 ورقم2 ورقم3 لا زمني يفتقد الهوية الطبيعية ليرسم للزمن الإبداعي رؤيته بلغة درامية تقوض هذا المركز وهذه المعنى، ولتغدو كتابة ركحية في كينونتها، وتعاليا في سكونها وكمالها، لأن العلاقة بين الكتابة الجسدية، والرؤية الفرجوية هي علاقة انتربولوجية لا منطقية للكتابة الإبداعية، فالفصل والوصل هو تجاوز يقع ضمن الماقبل والمابعد ، يكسبا لهذا الجسد اتصاله الكينوني، وكليته الاجتماعية، والنفسية والفرجوية، وهذا نوع من المغايرة القائم والمبني على الاختلاف والتنوع، من كونه فعل المسرح المضاعف يجعل الكتابة الجسدية كائن جماعي لا تتأسس إلا بالممارسة البصرية، وبالاحتمال والممكن، والتنوع القرائي البصري والنذري، يسكن أجساد المسرحية المذكورة، ويعطي لرؤية المخرج تجول فوق السائد والجمود، والانقطاع النصي، والتشابه، لأن الاختلاف يلغي المطابقة والمحاكاة والمعالجة، والتوافق الطبيعي فبدون المغايرة المضاعفة لا يوجد جسد مؤدلج ومقنع، ومتمرد، ويكون هو الأشمل والأمثل في كل تخريجات المخرج لأن فهم هذا التحول يكمن في الاستعداد القبلي، وفي التوجيه القرائي كعتبات خارجية (النص – العنوان – صاحب النص – الصور – الجسد – الألوان – اللغة…) التي تتغير في المتغير نفسه، لتكون كوليكرافية جديدة والحاوية لهذه العملية التأويلية، وقد عملت الكتابة الجسدية من أن تكون عنوانا خصبا قابلا أن يستوعب كل الشرائط الخارجية للجسد، والداخلية أيضا وهذا ما يدفعنا لطرح السؤال التالي، كيف تعامل المخرج مع هذا الجسد؟ سؤال فيضي يفلت من كل تعريف براني (سطحي) ليكون علامة غريبة من النهائي والثابت، حاملا قراءة مفاهيمية تضع لهذا الجسد منطقا كونيا لذلك فتوليدات المخرج للجسد تتسم بالتخطي الخطي (بداية – وسط – نهاية) لتطعنا أمام فعل الأثر للجسدي الطبيعي الذي لا يؤسس الاختزال، والاقتصاد اللغوي، وإنما يعمل على إضافة استعارية تدل على الدلالة الضمنية، وكلما اقتربنا من تشكياته الفنية، والإخراجية إلا وأدركنا أن الخصائص الجمالية والإبداعية الركحية تكون هي المعادل الموضوعي للأثر الجسدي، والبنية العمودية التي تندمج مع البنية التحتية الجدلية الغير السلطوية، وهذا ما دفع إلى إيجاد طريقة لا يساوي فيه الجسد، بل يكون توليدا لإفرازات كوانتية التي تدعي الحكم، والنهائي، بل تتحول إلى وظائف سردية وكتابة شعرية وحضور طقسي الموجه إلى شعور الممثل الداخلي، لأن الكتابة الجسدية عند ابراهيم الهنائي هو أرغانون جديد، وصوت آت من التوليد، والتجربة الركحية، وروح موصولة باللغة والملابس والإنارة، والموسيقى، وتمركز حول التعدد والإشارات العرفية والإيمائية التي صارت تدعي لنفسها حق الشرعية في الاختلاف، والمقصدية (الإبلاغية) الفرجوية، إنها إشارات لا تدعي لنفسها حق التملك الباطني ولا تمارس دور السيادة على جسد الممثل، بل تتحول إلى لعبة غير إلزامية، وإلى قوة غير متعالية، وكتابة مسكونة بالإقرار، لينعدم وجود الجسد الطبيعي كما ذكرت، وليسود الانفصام ليس على البعد (النفسي) بل ككيان مقسم إلى أنوية بكل جهازها المفاهيمي ومن خلال التماسك والبناء، والميتافيزيقي (المطلق)، فحضور الجسد الكوليكرافي، والإغوائي، والبوحي والميتولوجيا البيضاء في هذه المسرحية المذكورة، جعلت الجسد المسرحي إسهاما جماهيريا يحاكم الواقع المطمئن إلى القناعة بواقع يقوض التسلط الرجعي والإمبريالية العالمية، وهذا ما نراه في مسرحية “هكذا تكلمت ميديا”، حيث يمثل الجسد ذروة نقدية تؤهله لكي يكون كرنفالي وأداة، وحالة، ولعبا مقنعا، وعالما في تعالق الممثل بالمجتمع، وعن كيفية احتقانه من لدن التحولات التكنولوجيا والجمالية كما في مسرحية الكود، فهذه المسرحية هي لعبة يتحول فيها الواقع إلى أقنعة بلاغية التي تؤسسها اللغة الإيروسية كتجربة حقيقية يقرأ فيها الجسد كقناع، يعرض تلاحق اللوحات التي لا تشرع ولا تفسر المضمون، بل يخترقها الحلم والفكر انطلاقا من جدار الواقع الصامت، وهذا الطابع الإيحائي يتشكل في صور متلاحقة يجيب على الأساسي وعن المناطق العذراء في تفاصيل الجسد، مما جعل جسد الشخصية ينتقل من القلق إلى النشوة de l’angoisse à l’extase ليضع التسامي دون العودة إلى اللاواعي الفرويدي، لأن جانبه الفحلي (الرجل) يعوض مكان مقولة الشعور الباطن فرفع القناع حول الإنسان، هو إلغاء لحيز الانبثاق العقلاني، وبروز الشهوة والإشباع التي تترجم الحرمان والقلق، فيغدو الجسد الأنثوي يفكر ضد ذاته، مستحضرا اللامنطقية التي تسكن واقعنا العربي لأن عملية الكتابة الجسدية ولدت فجوات في الخطاب اللغوي الدرامي الناتج عن انزلاق المدلول على الدال، لتنطبق الرؤية الأنثوية مع الرؤية الاجتماعية.
ما يثير اهتمامي أن ما صنعه المخرج هو إظهار الواقع بعفوية وسردية والموت الباطني، والتهميش، ومن دون أن نفكر في ذواتنا، ما دمنا نستخدم هذه المفاهيم في واقعنا، وبطريقة تعادلية بين عالم الأشياء وعالم الكلمات، وكما أن الرؤية الضمنية في هذا الخطاب الدرامي ينطبق تماما على نظام الواقع في بداية التحليل، حيث اعتمد ابراهيم على الواقع كمرجع لكي يرسي منهجه الفكري على قاعدة نظرية، وكآلية التي ترفع الرقابة على الجسد من قبل العقل الواعي، فاتحة لنهاية الحلم والخيال، كما عبر عنها في مسرحيته المذكورة، وهذا الانفجار لهذه الحقيقة التي تواضعنا عليها هو إنكار للحضور المطلق للجسد الآخر، والذي يتمتع محتواه بحضور الرجل الفحل، حضور قيمي وهيمني، لأنه يريد أن يعيش اللحظات غير الحاضرة في الواقع، وليكون البعد السينمائي الآلي بداية حقيقية حول الرغبة والصحوة المثالية وكشف واكتشاف لهذا الجسد المتعالي، إنه يحقق كينونته بتكسير أقضية اللغة ولتأسيس حقيقة المجتمع السلطوي الذي يضيع تحت هيمنة الفحولة، فحقيقة مسرحية “ميديا” هو ارتداد إلى مقولات، تمثل وعيا داخل الجسد، لا يتطابق مع معناه المضاعف، (جسد الممثل / الطبيعي، جسد الممثل / جسد الشخصية) وهذا التعبير يتعلق من الطبيعي في حالة البقاء إلى حالة يكون فيه هو الذي يمتلك الكفة، ويسكنها قبل أن تسكنه، ويعلن حضوره من خلال جدل يتجاوز النفي المطلق للوصول إلى لحظة المتعة واللذة، لحظة غير متناهية يلتقي فيها جسد الممثل بالوجود الممكن في لحظة التأويل الركحي، فيبقى هذا الجسد الأيقوني رهين الخيال الذي يتمسرح أثناء الإخراج، لذا يتناول الهنائي هذه اللغة المجازية لتكون بنية جسدية نصية تولد انزياحات بلاغية، وفعالية في النص الممسرح، ولتعيد هذا الجسد أداته الاستكشافية يفتح عبره بياضات لتجاوز المثل العليا لتنزيل الإنسان ليصبح ذرة ضمن الذرات المتشايكة، والمنفصلة، واللاتلازم بينه وتجلياته مع احتفاظ بالمغايرة لتنشأ اللاتسوية المتشظية بين الوحدة والتعدد، والعرض والجوهر، وتثبيت لمرجعية متنوعة، وخلق وتخصيب ذاتي لفعل الكتابة الجسدية، من هنا يأتي الاختلاف حسب المخرج ليصير فعالية لا تكسر الخارج / الواقع، بل تصدع كل البنية المهيمنة (النصية)، لأن التخطي النسيان الأنطولوجي النصي هو تبعثر لكون الذاكرة المتعالية والتي تجعل فعل التمسرح الجسدي متعة متحررة من سلطة المعجم الرجولي فتسلب التمركز بالمعنى الفرداني هو زرع الشكل في يقينه وذاكرته، حيث يعمل النسيان المؤجل وفق منطق احتمالي شكلي، يقيم لتاريخ الجسد تحويلات آلية منبثقة من الصورة والكلمة، والحركة، فيغدو الجسد المتعالي نصا آخر يتغير آلياته الاستعارية المزدوجة لكسر المفاهيم الواقعية المتراتبة، دون السقوط في ميتافيزيقيا الحضور، إن إنتاج هذه المسرحيات هي استعادة الخطابات التي لا تنبني على مقولات نظامية أرسطية (معنى – حقيقة – كلية مقصدية – جوهر…)، بل هي انفتاح على اللذة ضد المنطق، والتواصل الحيواني ضد البراني، والغياب ضد الحضور، والهامش ضد المركز، فالهنائي في تمظهراته الإخراجية لا يفكر في الكتابة تحت سقف الذات، بل يظل مربوطا بأمراس الوعي التجريبي، يخضع لضرورة اللغة التمسرحية ويرتجل من جهة إلى أخرى ومن منهج إلى منهج بغية الارتباط بالغربة الفرجوية التي تجعل المتفرج لا يزج به في المسرح بل يفكك الأصول والأسماء والعناوين، ليواكب الإبدالات الظاهرة والباطنية، وذلك تحت وطأة التأويل، والتفسير والبحث عن الامتدادات الركحية والمشكلنة مع ذاكرة النقد، إن رؤية المخرج تمتد عبر التأويل اللامتناهي مما يجعل التنوع هو الفكر الذي يتهم بالشيوغ والانتشار، وهذه الرحلة كما قلت في هذه المسرحيات هي اقتراب من التجريب والانفتاح على الجسد بواسطة الجسد، فالمفرد “الجسد” هو لحظة طبيعية، لكن في ماهيته يحضر الجسد المميز، لأن القناع والتقمص، والإمارة أبدعت لنا تعرية التي هي باعثا على رؤية الجسد المضاعف، والمسرح هو إبداع جمالي، وعملية تذوقية فرجوية، معنى ذلك أنه خاضع للتأويل وصولا إلى المبتغى التأملي النقدي، فهذا القول ما يذهب إليه المخرج “الهنائي” ليؤسس لعلاقة جدلية بين شخصية الجسد والمتفرج المؤول لهذا الجسد، وهذا التبلور دفعه إلى طرح السؤال التالي: كيف يتلذذ الممثل بجسده؟ هل يندمج فيه أم يخلق مسافة بينه وبين هذا الجسد المشخص؟ وكيف يجد نفسه بين الكتابة والقراءة الركحية؟ هل لهذا التعالق الجسدي منطقا خاصا لا يلتزم بالنص؟ إذا كان تلقي الجسد أي جسد مضاعف متغير باستمرار فإنه طريقة إنتاجية تتحول وتتلون وفق منطق المخرج، كما أن المتفرج لا ينطلق من نقطة الصفر، فهو يهتم بتوسيع خياله الذوقي والمعرفي، ويطور أدواته المنهجية بشكل عقلاني الذي يمكنه من الكشف عن عناصر مضمرة داخل الجسد، وهذا في نظري تحول جوهري في مركزية التأويل أو الجسد الذي سرق من الممثل الطبيعي، ووضع نارا وقادة حارقة في متخيل المتلقي أو المتفرج، بحيث صار هذا الجسد الركحي مبعثرا (بمفهوم ديريدا) على وجه الفضاء وبين ثناياه وفي فجواته والتواءاته وصار المخرج بدوره قارئا لهذا الجسد، ليملأ هذه الفراغات وصولا إلى استجلاء الأبعاد الضمنية التي ينطوي عليها، والتي تعطيه وزنا ودلالة، وتخصيبا له كما يرى إيزر هكذا فعل الجسد بلا متفرج هو نص مغلق، فبحضوره لتكسر المسافة بينهما، لأنه يتضمن الاتحاد بين كليهما في عملية التذليل الصعوبات الإنائية والتأويلية لأن المتلقي أو المتفرج المتعطش ينسج دلالة جسدية انطلاقا من فهمه وإبداعيته له، إذ لا مجال لفهم جسده كنص إلا بواسطة شروط التي تستند إلى بنية تأويلية التي تفكك أواصر الجيد المؤول، ويرى بيتر زويندي في هذا المقام “ولا مجال لتأويل إذا لم تسيقه قراءة ذوقية ينتبه عبرها المتلقي إلى موطن الخلق الأسلوبي والتجاوز النصي، إن هذه الدياليكتيكية التأملية بالغة الأهمية بالنسبة لكل جوانب فلسفة المخرج، فهي ليست مجرد سمة من سمات القراءة البسيطة، ولكنها تشكل أيضا تطور الجسد من العالم المادي، إلى العالم المجرد والمحسوس، وهذا التراسل الحواسي هو نظام فلسفي درامي، قادر على فهم العلاقات بين مجالات التجربة المتنوعة في المسرحية لأن هذه المعادلة بين العقلانية الركحية والواقع الجوهري هي بناء للتقدم التاريخي المسرحي بوصفه حركية جدلية، وكذلك أساسية في جوهرها لأن حركة هذه الجدلية هي في كينونتها تاريخية في مضمونها، لأن المخرج في تمسرحاته الركحية، يبرز لنا هذا التأكيد عن طريق وضع الممثل على قدم وساق مع تطور الواقع والروح والفكر، فتطور الممثل هو عملية واعية وذات وساطة ذاتية، يقدم لنا هذا التحول براعة فنية تتحرك بإبراز الواقع الممكن، وبهذا يشكل الجسد عنده نقدا للراهن ليخلص هذه الأجساد المقيدة من كل براثين الماضي لتتولى الروح المطهرة كإمبراطورية العالم الجديد ليس بالمفهوم المطلق (الهيجلي)، إذن يصور المخرج في هذه السلسلة المسرحية المذكورة نوعا من الحركات التكتونية التي تخترق كل المضامين وذلك بروح جديدة للاتصال بالواقع ونحو الممكن الذي يحتوي في دواخله كل ما بقي، وما ترسب في الروح المضمرة، كل هذا تحت رعاية منطق الإخراج، بهذه الطريق يصبح جسد الممثل سرد الأحداث القاتلة من طرف الأم، ومن رجل تفوح منه رائحة الغرب، ليس من الضروري أن يحمل اسم جازون يكفي أن التصرف هو نفسه المكان الذي يخلق لها الدفء والألفة، ولكن الحلم ليس إلا فضاء تنجز فيه التقابلات وتكرس فيه العزلة والإقصاء، ونزعة تغير البحث عن الحقيقة والحرية في وضع سلطوي متسلط في هذه المسرحية يحاول المخرج أن يفجر الحكي السردي ليعادل الوحدة والألفة، وليبني في الفضاء الركحي كل مكونات اللاتواصل في عالم ينشد التواصل، فتشكيل الفضاء الركحي هو تشكيل أيقوني متحرك باعتباره ثنائية ضدية تطبع الشخصية المقيمة في اللامكان وفي المكان، لتحقق الحميمية انطلاقا من الطقس الذي تؤسسه الخشبة والجمهور، ويقول عبد الكريم برشيد “إن الاحتفالية تقوم على أساس أسيقية الحيوي والعفوي والتلقائي، على النظري والمجرد، وبذلك فهي تؤكد على الأنا والهو، لأن الاحتفال هو التعبير الجماعي أو الحس الجماعي، فإنها بذلك تسعى إلى الكشف عن الوجه الحقيقي للإنسان والحياة والمدنية، وأن إنسانية الإنسان لا يمكن أن تتم إلا بموت الوحش داخل هذا الإنسان”1، فهذه التساؤلات حسب المخرج تطرح نفسها كصيغة منهجية قابلة أن تستوعب كل الشرائط الاجتماعية والثقافية، وتجعل ثقافة المخرج أرضية مفتوحة على التيارات الأخرى، لأنها تستمد مقوماتها من التراث ومن الحداثة، لتجعل موقعها صريحا ومؤصلا في التربة الخصبة، فالبحث في فينومينولوجية المخرج، هو بحث الالتزام والصدق، والإحاطة البصرية التي تطرح الفكري والفني والإيديولوجي كحركة تعتمد التعرية الفنية، وتعمل على تشخيص السياسي والاجتماعي، لاقتحام أسوار المسرح البديل رغم العوائق المعرفية، وهذه القفزة النوعية التي أعلنت عن نفسها كخطاب إبداعي درامي، يروم تأسيس مسرح يحفل بالعجيب والغريب ومع السياسي والثقافي، لكن يموضع نفسه ضمن إطار الجنس الإبداعي المتحرك، إنها شخصية (متحركة) ذات أبعاد أنطولوجية تجمع بين التجارب والمقروء، وتقدم نفسها كمبدع وكفنان ويقول أندريه غرين “هل من الممكن عدم إقامة أية علاقة بين الإنسان وإبداعه، فمن أي قوى يقتات هذا الإبداع إن لم يكن من تلك التي تعمل عند المبدع”2، فاستوعب النظرية الاحتفالية بكل محطاتها سواء في بعدها، كحركية النص، أو بحضور التاريخ والدياليكتيك، أو فعل الاندماج والتباعد، والبعد الإخراجي والسينوغرافي، كل هذا دفعه ليخالف ما هو سائد على المستوى الكتابة الركحية، ليتيح لذاتيته حرية التعبير عن منطلقاته الفكرية والجمالية المتحررة، فهذا الموقف تولد في حركيته لا في سكونيته وجعل النصوص الممسرحة تتفجر لتعطي لهذا المتفرج هذه المعاصرة ولتصبح غيرية تتجاوز الزائف، وتبحث عن المستحيل.