إنجاز: د الغزيوي أبو علي
دة بن المداني ليلة
تذهب بعض النظريات إلى تأكيد على أن العدالة بما هي حق وضعي بين بني البشر في إطار تعاقد، لا في إطار الفوضى أو العرف، فالقانون لابد من يصدر عن إرادة عامش شاملة ومحلية دون إرادة فردية، وهذه القاعدة هي مطلب العدالة والإنصاف، وأرسطو قد أكد أن الإنصاف أفضل من العدالة، لأن الحق الوضعي يسعى إلى جعل حقوق الإنسان الموجه الجوهري لكل التشريعات ويرى ليوستروس أن القانون كيفما كانت قوته وسيطرته في أي دولة لا يمكن أن يشمل في ذاته معيار عدله، لكن الحق الطبيعي هو القانون المتمثل في الحياة والأمن والكرامة يمكن تكييفه حسب الظروف والوقائع، فالإنسان هو المرتبط بين الواجب والحرية والباحث عن الحقيقة، غايته هو تداخل آليات وأدوات لبناء المعرفة.
فالرؤية إلى الشرق الأوسط سيجعلنا ندرك أن العديد من التحولات غير المسبوقة كان لها أعمق تأثير على الشعوب وعلى الأمم، ولا شك أن هذه التحولات قد زاد عمقها وتكونها خاصة في الحرب اليهودي والفلسطيني، لذا تحاول الولايات المتحدة الأمريكية أن تصنع لهذا الكيان الصهيوني امبراطورية لا تغيب عنها الشمس، إذن كيف نتصور شرق أوسط جديد؟ وما هو موقف الأنظمة الحاكمة؟ وما موقع القضية الفلسطينية في هذا النظام الجديد؟ انطلاقا من هذه الأسئلة الجوانية بأن هذا المفهوم الجديد لم يكن وليد هذه الحرب بل كان مخططا من طرف البيت الأمريكي منذ عهد جورج بوش الإبن، لأن هذا النظام تتمثل فيه القوة والقوى المهيمنة والقادرة على تمسك بزمام الأمور، لذا عملت الدول الأوروبية وأمريكا برعاية مصالحها بسمات مميزة، فالحرب بين الصهيونية والإسلام هو عبارة عن صراع ديني وحضاري كما يرى هيثينكتون في كتابه (صدام الحضارات) ص107، فهذه الحرب مثلت بدورها تاريخا حاسما يفصل بين التكتلات، وبين المعارضين سواء في تفاعلها العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، وهذا ما رأيناه في إسقاط الأنظمة الكاريزماتية العربية (كليبيا والعراق، واليمن والسودان وسقوط الاتحاد السوفياتي)، كلها أنظمة تابعة للعسكر الاشتراكي السوفياتي، لذا عملت الإمبريالية بتأسيس قطب واحد وموحد بسلبيته وإيجابيته، منذ الحرب الباردة وانتهاء خطر المواجهة بين الشرق السوفياتي والصيني مع الغرب، ولقد عملت أمريكا والغرب بعدم الامتثال لكل الاتفاقيات الدولية الخاصة بنزع السلاح وإلغاء الإيديولوجية بين المعسكرين، والحرص على تجاوز كل الصعاب تحقيقا للمصالح البشرية، لكل أزمة الخليج 1990 ولدت كما يرى جورج بوش بتسوية المنازعات بالوسائل السلمية والتضامن الدولي في مواجهة العدوان والعمل من أجل تخفيض مخزونات الأسلحة وإخضاعها للسيطرة ومعاملة الشعوب معاملة عادة، لكن هذا الكلام المعسول بالسم، جعل أمريكا تهيمن على شرق أوروبا والمشرق العربي، وبنت قواعدها في كل المناطق لتكون هي السيد والحاكم في العالم، وهو يستدعي ضرورة أن نتعامل مع هذا الصورة العامة التي سيكون عليها النظام الدولي بعد انتهاء مرحلته الانتقالية الراهنة، على أن الوصول إلى هذه النتيجة العامة، لا يمنع من طرح السؤال التالي، ما موقف المثقف من هذا التحول؟ قد يكون من المفيد أن تتعرض لهذه الملامح الثقافية التي تشكل قدرا من الاستمرارية في تطور العلاقة بين ما هو فوقي وما هو قاعدي، لذا بقي المثقف غير مرتبط بالتحولات العالمية، الأمر الذي جعل أفكاره ومفاهيمه على الظواهر والأشياء بعيدة عن الأحداث الجارية والتطورات المتلاحقة على امتداد هذا العالم المعاصر. ونتيجة لذلك اعتبر المثقف أن السمات الجوهرية لعالمنا اليوم هو حل بعض المشاكل الغير المسبوقة من السرعة في تداعي الأحداث وتلاحقها، إذن تقتضي هذه الصياغة ذلك الانتباه إلى المفاهيم الموظفة كالذاكرة والهوية والذات، وأيضا نوعية العلاقة المتلازمة بين التاريخ والتنوع المعرفي، فالمثقف العربي يعيش وضعا غير مستقر نظرا لتشعب الأفكار والرؤى التي طرحت من طرف النظام الجديد، وأيضا مع هذه المتغيرات والقوى الدولية، لذا بقي المثقف يحاول صياغة مصادر الصراع والتوتر بين الأقطار، وتدعيم قدرة العرب على التكيف من ناحية ثانية، لأن تعظيم التكتلات الاقتصادية والسياسية الراهنة، جعلت هذا المثقف ينخرط في العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات، ولكن أغلب المثقفين ينغرون من هذه الأحزاب المصنوعة، وعدم ثقتهم في المؤسسات الرسمية الحكومية وهذا الانعدام في هذه الفعاليات وعدم الوعي الجماهيري جعلت السياسي هو الفاعل والمنفعل مع الأحداث، بينما المثقف بقي مقصيا ومهمشا كما يرى فوكو في كتابه (نظام الخطاب) ص36.
يحتل المثقف مكانة مهمة في المجتمعات العربية، حيث يعتبر بمثابة السلطة الثانية نظرا لأثره البالغ في الرأي العام، فهو المالك للسلطة المعرفية من حيث طبيعتها ومفاهيمها المتعددة وآلياتها المتنوعة، فهو المهتم بالشؤون المعيشية وبالنشاط الإنساني، والحارس الاجتماعي والاقتصادي، ولكن هذا الدور لا يخضع لمجموعة من العوامل والمتغيرات العقلية والاجتماعية، فالسلطة المعرفية بهذا المعنى تستند في تعريفها على شرعية قانونية وسياسية حسب تعريف ريمون أرون، فالسلطة إذن هي القوة والقدرة والتقنية ويرى ماكس فيبر <<بأنها هي الفرصة المتاحة أمام الفرد أو الجماعة لتنفيذ مطالبهم في مجتمع ما في مواجهة يقفون حائلا أمام تحققها، فالمثقف العربي يعيش داخل النسيج من العلاقات يحيط به من البشر، وهذا الوضع مهما بلغت إراداته وإمكاناته، لأن وجوده داخل المجتمع لا يثير أي جدل لكونه منزوي في أسطوانة من أسطوانات برجه العاجي، لأنه بعيد كل البعد عن مشكلات العابرة للحدود القومية، وبالتالي لا يمكن مواجهتها إلا من خلال التنسيق بين مختلف الفرق المدنية والمجتمعية، من هنا تكونت الرؤية التي تنادي بالشرعية الدولية ومنها ما يطلب التدخل الغربي، وسيطرة الولايات المتحدة على الأمم المتحدة وتوظيفها لحساب ومصالح حلفائها>>، لذا وقف هذا المثقف العربي موقف القاضي النصوح لا موقف الصوفي المتأمل في هذا العالم المنكسر دون فهم أزمة المجتمع العربي، فالمثقف يعيش عالم الثقافة والطبيعة، ويحتويه المكان باعتباره صفة سميوطيقية سواء من حيث البعد أو القرب، أو العمق أو السطح، والفصل والوصل، وهذا ما جعل فوكو يؤكد على الفصل المهمش ووضعه في سفن خاصة تظل تجوب البحار إلى الأبد، بالإضافة إلى السجون والمصحات الأمراض، لأن هذا الانفصال لا يأخذ شرعيته إلا بالوصل كما نرى كلها علامات سميوطيقية، هي في المقام الأول حقيقة مكانية، تكتسب براعتها الفكرية من بين مجموعة من المدركات القيمية، بعضها يتحقق في الوعي من خلال المجال الحيوي، أن وجوده ضروري في حياتنا، وهذه الضرورة تشرط كل مستويات وجوده الفعلي سواء في علاقته مع المجتمع أو مع النظام الجديد.
إن حضور المثقف في أية تظاهرة فنية أو اجتماعية وسياسية هو دليل حيويتها فبقدر حضوره في البناء المعرفي والجدلي بقدر ما يقربنا إلى الوعي المستقبلي الذي يرتبط بالحاضر في سيرورته، ولا ينشغل بالماضي إلا بوصفه عنصرا مهما من الحاضر كما رأينا في الربيع العربي، لأنه ارتقى بفكره من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية ومن التأخر إلى التقدم، فهذه المعادلة كما ذكرت هو ما يؤمن لنا الإحساس بالإبداع والحرية دون الارتباط بالمتاريس التراثية، بل أن نرتبط بالاستراتيجية الي تجعل النخب عبارة عن صيحة ثورية ولحظة التقدم الحضاري والتاريخي، وتبعا لسنة التطور وقانون الإبداع فإن المثقف مطالب اليوم بتكسير الطاقات الرمزية خاصة في ظل غياب التنمية البشرية المستدامة، والعدالة والقانون، غير أن هذه القيم في عالم منحدر يقوم به فرد منحدر، لذا رأى كولدمان أن التماثل الموجود بين الثقافة والمجتمع الرأسمالي هو الذي جعل المثقف غير عضوي وغير فاعل، بل أمسى شيئا يباع ويشترى طبقا لقانون السوق الرأسمالي، وهذه الخطيئة والغضب هو انعكاس لا واعي لعلاقة الإنسان بعالمه، في حين أن الثقافة هي الانتقال من مرحلة الإيديولوجيا إلى الانفصال في حقل ما ما يسميه ألتوسير الانشقاق الإبستمولوجي أو القطيعة المعرفية، ويماثل هذا الطابع التماثلي لا يماثل الجدلية ليشير إلى أن الإيديولوجي هو السائد في عالمنا العربي، وقد تسمح لنا هذه الأطروحة المركزية بإدراك لماذا لا يوجد المثقف العضوي منخرطا في الثقافة الجماهيرية؟ فهذا التفاوت لا استثناء لا يتأسس على أي منطق عقلاني، لأن الكثير هي الكليشهات والأحكام الجاهزة هي التي تمنعه من الاقتراب والتفاعل مع القاعدة الجماهيرية.
فالتفاوت إذن أسبق من البناء الاجتماعي لأن المركزية هي البنية ذات الهيمنة في الكل المركب، وهذا الثابت هو في حد ذاته هيمنة وتفاوت بين النمو والإبداع أي في السيرورة الموجودة في جوهر التناقض ذاته، مما سمع بالمثقف الملتزم بإدراك الجدلية التي تنطوي عن قوة داخلية محركة لتبقى الروح في الموت ذاته كما تقول الفينومينولوجيا، ويبقى المثقف يطالب بكل ما هو سلبي في الدول العربية بوصفه انعكاسا دقيقا للمسلمات النظرية التراثية المصنوعة، حيث أن الجدلية التحتية لا تكون سلبية ولا تجريدية، ولا تكون نهائية، بل هي انعكاسا صرف للكيان في ذاته كما يرى كارل ماركس، فالمثقف الملتزم بمفهوم سارتر هو مخ المجتمع واوكسجين، فهو ظاهرة ملازمة للوجود الإنساني، فالإنسان لصيق بالأرض، يعمل على تماسكها واندماج فيها، لأن الثقافة ما هي إلا لحظة ما بعد الطبيعة، أي ثمرة جهود وأصل الإنسان مع الآخر، فالمثقف في ظل هذا النظام الجديد لا يستطيع أن يخفف عن الفلسطينيين ترسنات الأسلحة ومراقبتها، حيث أخذ ملامح الخطاب الأمريكي دون التساؤل الجوهري إلى أي مدى يبقى الكيان الصهيوني يقتل الفلسطينيين؟ وما موقف الأمم المتحدة؟ وأين الجامعة العربية؟ أسئلة فكرية تبحث في التطورات والتحولات الدولية على كارثة فلسطين والخليج لمعرفة بعض المفاهيم المتداولة كالنظام الدولي ومرحلة ما بعد الحرب الباردة والعولمة تدل كل هذه التعبيرات الرنانة في وسائل الإعلام وفي بعض الكتابات العربية مما يؤكد على توزيع مصادر القوة بين أوروبا وبعض الدول العربية وأمريكا وبعض المنظمات والشركات الدولية دون ذكر موقع فلسطين، بل جرى استخدامها كمرادف في كثير من الحالات دون تجسيد الشرعية الدولية، حيث تنامت التحديات التي تتطلب تعاونا عربيا ودوليا من أجل مواجهة غطرسة الكيان الصهيوني الشمولي المتطرف، فانتظام الأمم المتحدة المعطوبة وتزايد المشكلات والتحديات دفعت بالكيان المحتل في تشكيك في هذه الأمم، والأسس التي تستند إليها، لذا صاغت إرادتها وقوتها ومصالحها سواء على مستوى التسلح، أو الاقتصاد أو القتل، حيث تسعى بفرض سلطتها تحت مركب أمريكا، وطرحته كشعار ضد العالم، ثم الترويج له أثناء حربها على فلسطين واليمن ولبنان وسوريا وإيران، وعموما أصبحت سيدة العالم تروج سياستها المتطرفة على أرض الواقع.
إن هذه الرؤية الصهيونية تقر بعدم وجود السلم، بل القوة والفوضى هي الطاغية بالمعنى العام، فهي أقرب إلى حالة من الفوضى الدولية واللانظام المؤمرك، ويؤكد أحدث الباحثين أكدنا علاقة التماثل والاستمرارية بين النظام الدولي الإمبريالي القديم، والنظام الدولي الإمبريالي الجديد رغم أنه يشكل استمرار للقديم إلا أنه استمر في عصر جديد له متطلبات جديدة، عبد الوهاب المسيري (النظام العالمي الجديد ونهاية التاريخ والإنسان) ص88، فهذا النظام الجديد ليس إلا غيمة في الشمس، فهو خديعة لاستغلال الثروات العربية وفرض الديمقراطية العرجاء لتأكيد دور أمريكا في ظروف عربية متغيرة، وتأسيسا على ما سبق فإن المجتمعات العربية وخاصة المثقف يعاني من اضطرابات ومتغيرات دولية، الأمر إذن يتطلب وضع تصورات لكيفية التعامل مع هذه القطبية الوحيدة لأنها تعادي الدول الجنوب والعرب فهي ترى أنها لازالت ترزح تحت الأنظمة إما قبلية أو ديكتاتورية إذن، لذا وجدت فجوة لتسويق أفكارها ومفكريها كنهاية التاريخ والسوق العالمي، والعولمة، والنظام العالمي الجديد، والديمقراطية وحقوق الإنسان فهذه المفاهيم تدل على مؤشرات غير حقيقية تترابط فيما بينها برباط امبريالي استغلالي وتكنولوجي في مجالات الفضاء والحاسوب، والسلاح، والهندسة الوراثية، ولاشك أن القوة هي التي تؤسس الدولة ليسود الاستقرار والأمن والحدود، فأمريكا واسرائيل تكيفت مع مخرجات الصناعة والتقنية، والبحث العلمي، بينما العرب ظلوا يلوكون أطياف الذكريات ويستشرفون نحو أفاق مجهول رافعين القناعة كنز والحكم فضيلة، والسلطة وسيلة وغاية، دون تسريع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وقد ترتب عن كل هذه الأنظمة حزب واحد وايديولوجية مغلقة متمركزة على القوة والاحتكار دون إبراز التعددية الحزبية كما في (اليمن – سوريا – العراق – لبنان – الجزائر – مصر…) فهذه الترتيبات الأولية تمت بتقديم تساؤلات في معظم الحالات، وهو الأمر الذي جعل الدول العربية تتراجع دون أن تكون دولا عظمى نظرا للضعف العلمي، والثقافي كما يرى الجابري وعبد الله العروي، فالتحولات هذه ساهمت في انشقات الدول الإفريقية والشرقية والأسيوية وقد كانت هذه المشاكل أحد العوامل التي أبدعها الفكر المعولم كما حدث للاتحاد السوفياتي منذ جورباتشوف ويوغسلافيا.
إن التحول الجغرافي والسياسي والفكري والاقتصادي أدى إلى تيارات يسارية ودينية وبروز مشكلات قوميات كالسودان وسوريا ولبنان وباكستان والهند، وأوكرانيا كل هذا أدى إلى ولادة تحديات كبرى أمام الحكام، وأيضا الأزمة السياسية والاقتصادية أدت إلى ولادة مقولات وشعارات ضد الديمقراطية الصهيونية وأمريكا، مطالبة بتوحيد اليسار الجديد ورفض المشروع الإمبريالي الفرداني، والاهتمام بالشعب فهو صاحب السلطة كما يقول ماوتطونيك، هكذا بدأت الدول العربية ضعيفة أمام الاجتياح الصهيوني لفلسطين منذ 1917 و1948 – 1967 إلى يومنا هذا ولم تعد قادرة على الصمود لأنها تعيش التبعية التقنوية والاقتصادية لأمريكا، لذا اختلت التوازنات في مناطق من العالم كالدول الجنوب وآسيا وافريقيا، وشرق أوروبا، وكان لهذا الانهيار حسب المهدي المنجرة في كتابه قيمة القيم ص25 أضرارا كثيرة وواسعة كهجرة الأدمغة، وصناعة المدن وتهميش الأخرى، وغياب مراكز البحث العلمي وفرض سياسة الريح بقصد نشر الثقافة الشعبوية واللغة المألوفة على حساب الثقافات واللغات الحاسوبية المتطورة، الشيء الذي ولد لنا مشكلة عدم وضوح طريق التطور الغربي، وضعف الاقتصاد المدعم أدى إلى الاقتثال بين الدول العربية، وكان للانهيار العربي بقي المثقف الفلسطيني صامدا بإعادة صياغة التاريخ بالشكل الذي يضمن مصالحه في المقام الأول كما رأينا عند محمود درويش، وغسان كفنان وغيرهم، فهذا الصمود أدى إلى ترتيب البعد الديمغرافي، وفتح حرية الحركة بين المدن والقرى قبل انهيار اليسار السوفياتي، لكن هذا التراجع الفكري والسياسي أدى بالانفتاح على اليابان والصين باعتبارهما من القوى الصاعدة في النظام الدولي، ومن ثم فإن مزيدا من الانفتاح عليهما يمكن أن يوسع من هامش حرية الحركة المتاح للدول العربية على الصعيد الدولي، إذن أمسى المثقف الفلسطيني يناضل داخليا وخارجيا كإدوار سعيد، محاولا طرح قضيته في المحافل الدولية الجديدة، وساهم في خلق بيئة ملائمة للتحول نحو الديمقراطية وذيوع الخبرة الثقافة الفلسطينية والمعرفة العربية، فهذه المتغيرات في البرنامج الدولي مكن للعرب من دعم دور فلسطين في تأكيد الدولة قصد الحصول على شروط أفضل فيما يتعلق بالعلاقة مع الدول العربية، إن المثقف العربي اليوم مطالب بالتكيف مع المتغيرات الدولية، وتعظيم دوره في صياغة استراتيجية كليانية قادرة على تدعيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكيفية التعامل مع التكتلات القومية والإنسانية وفق نسق عربي لتحقيق تكامل عربي، وتحقيق تنمية ثالثة والعدل والحرية، لأن خلق الروابط بين الأقطار العربية ينشر الوعي العربي بالحقوق المدنية وبتعزيز التعاون مع الدول الأسيوية لتقليل الاعتماد على الغرب وأمريكا، إن ترشيد الدول العربية بالنظام الإسلاموي هو وضع مشروع جديد لم يألفه الغرب، يعتمد التماسك والوحدة ورفض الضلال والكفر، وفتح حوار حضاري، وثقافي وديني، ولكن هذا النظام ولد لدينا تيارات متطرفة كالسلفية الجهادية، والقاعدة، وداعش التي أعلنت الجهاد ضد الأنظمة وضد الغرب الكافر، ناهيك عن المسحة الإيديولوجية العربية كما في تونس، وليبيا، والجزائر، والمغرب وسوريا والعراق واليمن، فهذه التيارات الأرثودوكسية قامت بانهيارات حضارية وثقافية وإنسانية، فاتحة لنفسها المنقضة من الظلال، فهي تكفر وتؤسلم حسب نسقها الفضولي، فهي الأمام والمنتهي، أم الآخر فهو الخطاء والمظل والغير السوي، فهذه النوسطالجية الغريبة جعلت الدول الغربية تحارب هذه الأفكار الغريبة وأيضا الدول العربية، ففتحت جبهات لمحارب هذا الطوفان من الإرهاب في ظل المتغيرات الدولية الجديدة، فأخذ المثقف العربي يطرح أفكارا وتصورات محددة لكيفية التعامل مع ما يعرف بالتيار المتطرف حيث تضمنت اقتراحاته العملية في شكل بدائل مشروطة بكيفية يدعم موقعه الفكري والسياسي، لذا يطالب بعملية مراجعة موقعنا نحن العرب بمختلف أطيافنا وطروحتنا بأن نتخلص من براتين الهيمنة ونهتم بالبنية البشرية، وأن نبلور بعض التصورات والمقترحات العملية والعلمية لتتساوق مع الوطن العربي الجديد بعد كارثة حرب الخليج، والربيع العربي وقضية فلسطين، لأن خلق تكتلات فطرية وقوسية وتقسيم العمل والشروع في الاستثمارات الداخلية والتبادل العربي يؤكد على أن الوطن العربي والإسلاموي قادر على مناقشة القارة الأمريكية والأوروبية على المستوى العلمي والفكري والاقتصادي والسياسي، فخلق مشروع العرب كما فعلت أوروبا (مشروع أوروبا كفيل بالاهتمام بالإنسان والهوية والوجود والمعرفة، لأننا نملك النفط والغاز، والمواد الأولية، فنحن قادرون على مواصلة التنمية الحضارية في ظل التحول العالم المعولم، ومنح لدور المثقف لكي يكون الفيلسوف الأول في كل البرامج.