التفاهة تتفوق على العلم: أزمة قيم وأخلاق في المجتمع المعاصر

بدر شاشا باحث بجامعة ابن طفيل القنيطرة 

التفاهة أصبحت سمة هذا العصر، حيث يبدو أن الاهتمام بالشخصيات التافهة يتفوق بشكل متزايد على الاهتمام بالمخترعين والعلماء. ما نشهده اليوم هو تحول جذري في القيم الاجتماعية والأولويات، مما يعكس كارثة في التصرفات والأخلاق

 
في السابق، كانت المجتمعات تُكرّم العلماء والمخترعين تقديرًا لإسهاماتهم في تقدم البشرية. كان يُنظر إلى المعرفة والابتكار كقيم عليا تستحق الاحترام والتقدير. أما اليوم، فقد أفسحت هذه القيم المجال لثقافة التفاهة، حيث أصبح للشخصيات السطحية والتافهة حيز كبير في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي
 
نجد أن الكلام النابي والسلوك غير الأخلاقي أصبحا شائعين ومقبولين بل ومرغوبين في بعض الأحيان. يلقى هؤلاء الأشخاص اهتمامًا واسعًا من الجمهور ووسائل الإعلام، مما يمنحهم شعورًا بالأهمية ويعزز مكانتهم في المجتمع. هذا التوجه لا يعكس فقط تدنيًا في الذوق العام، بل يؤثر أيضًا على الأجيال الشابة التي ترى في هؤلاء الأشخاص قدوة يُحتذى بها
 
التربية الأسرية تبدو في حالة تراجع. الكثير من الأسر تفتقر إلى القيم والأخلاق التي كانت تُزرع في النفوس منذ الصغر. غياب الرقابة والتوجيه الأسري أدى إلى نشوء جيل يعاني من نقص في الأدب والحياء والاحترام. هذا الجيل يتلقى تأثيرات سلبية من الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تروج لهذه الشخصيات وتمنحها الشهرة والاعتبار
 
ما يزيد من خطورة هذا الوضع هو أن الشخصيات التافهة تروج لمفاهيم وسلوكيات ضارة بالمجتمع. إنهم يقدمون نماذج سلبية تشجع على السطحية والاهتمام بالمظاهر بدلاً من العمق والمعرفة. النتيجة هي تراجع في القيم الإنسانية والإبداعية، حيث يُنظر إلى النجاح من منظور مادي بحت دون اعتبار للإسهامات الفكرية أو الثقافية
 
في مقابل هذا الوضع، يعاني المخترعون والعلماء من نقص في التقدير والاهتمام. على الرغم من إسهاماتهم العظيمة في تحسين جودة الحياة وإيجاد حلول للمشكلات المعقدة، إلا أنهم غالبًا ما يُهملون في مقابل الشخصيات التافهة. هذا التهميش يشكل تهديدًا للتقدم العلمي والتكنولوجي، إذ يُحبط المبتكرين ويدفعهم بعيدًا عن السعي للإبداع
 
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في القيم والمبادئ التي تحكم مجتمعاتنا. يجب أن نعيد الاهتمام بالأخلاق والأدب والتربية الأسرية. علينا أن نشجع على تقدير العلم والمعرفة والابتكار، وأن نمنح العلماء والمخترعين المكانة التي يستحقونها. بدون هذا التحول، سنظل نعاني من تفاقم ظاهرة التفاهة وما تجره من تداعيات سلبية على المجتمع ككل
 
يُعتبر تراجع القيم الأخلاقية وظهور الشخصيات التافهة بوصفها نماذج يحتذى بها كارثة حقيقية. إنه مؤشر على انهيار المعايير التي ينبغي أن تحكم تصرفاتنا وسلوكياتنا. يتعين علينا كمجتمع أن نواجه هذا التحدي ونعمل على إعادة بناء نظام قيمي يكرم العلم والأخلاق والاحترام، لنضمن مستقبلًا أفضل للأجيال القادمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *