عبد الكريم بالرشيد
فاتحة الكلام
الاحتفالي يقول كلامه ولا يمضي، واين يمكن ان يمضي، وكل الناس يمكن اختزالهم في هذه (النحن) البشرية؟
وإلى اين يمكن ان يمضي، وكل الأزمنة يمكن اختزالها في هذه (الآن) الزمنية الجديدة والمتجددة؟
والى اية جهة يمكن ان يمضي، وكل الأمكنة يمكن اختراعها في هذه (الهنا) المكانية الواسعة؟
وقد يتسع هذا (الهنا) المكاني جغرافيا، حتى يصبح هو كل هذا الكوكب الذي يسمى الأرض، ويصبح في حجم خشبة مسرح من مسارح العالم..
ويمكن ان يتغير كل شيء في هذا العالم، ويظل هذا الاحتفالي وفيا دائما لشعاره الأبدي والسرمدي، والذي هو ( نحن ـ الآن ـ هنا)
نعم، هذه (الهنا) هي وحدها الواقع وهي الحقيقة، لأن الموجود هناك هو الغيب وهو الميتافيزيقا. وقديما قال عمر الخيام
غد بظهر الغيب واليوم ليوكم يخيب الظن في المقبل
وهو في سيره، وفي مساره، فإن هذا المشاء والمسافر الاحتفالي لا يمكن ان يلتفت إلى الخلف، إلا في المرايا الموجودة امامه طبعا، والموجودة عن يمينه، والموجودة عن شماله ايضا، وهو في أغلب الحالات لا يلتفت إلى المتخلفين والى القاعدين وإلى المتغيبين، ولكنه يحترم المختلفين بكل تاكيد، اصحاب الأفكار الأخرى، وأصحاب الاختبارات الأخرى، واصحاب المشاريع الفكرية والجمالية الأخرى، وهو الإنسان الذي يشتغل دائما في النور، تحت الاضواء الكاشفة، والذي يمكن ان تراه من جميع الجهات، وهو في وضوحه وشفافيته لا يؤمن اطلاقا بالفعل السري، ولا بالخفاء والاختفاء.
ومن خلال هذا البيان الجديد، والذي اعطى نفسه اسم ( بيان القنيطرة للاحتفالية المتجددة) تفتح الاحتفالية الجديدة، في عمرها الجديد، بابا جديدا للاجتهاد وللمجتهدين المجددين، وما هذا البيان، في معناه الحقيقي، إلا معاني وافكار واختيارات صادقة، ويمكن لهذه الأفكار ان يكون لها من يتفق معها، كليا او جژئيا، وان يكون لها من يختلف معها، عن علم او عن جهل، لا يهم، وفي بدايتها الأولى، حرضت هذه البيانات الاحتفالية الأولى كثيرا من المسرحيين المغاربة والعرب على أن يساهموا بطرح تصوراتهم المسرحية، وفعلا فقد ظهرت بيانات مسرحية كثيرة في الثمانينات من القرن الماضي، وظهرت اوراق فكرية اخرى كثيرة، لها قيمتها بكل تاكيد، ولها حقها المشروع في الاجتهاد الفكري والفكري والجمالي، وبعد هذا البدء الجميل والنبيل، ظهر جيل جديد من (الفقهاء) في المسرح المغربي والعربي، والذي حرم التفكير في مجال المسرح، معتبرا ان المسرح حرفة وصناعة فقط، لهما علاقة بالجسد فقط، وليس بالعقل المفكر والمدير، وليس بالرؤية والرؤيا، وليس بالحلم والتخيل، وليس بالتوقع والتنبؤ..
في البدء كانت الاحتفالية،ثم من بعد جاءت البيانات وما ينبغي الإشارة إليه اليوم، هو ان هذه الاحتفالية قد كانت كائنة وموجودة دائما، وبأسماء أخرى كثيرة جدا، كانت حاضرة في كل الآداب والفنون، وفي ابداعات المسرحيين الاحتفاليين، وذلك قبل ان تخرج ببياناتها الفكرية إلى العلن، والتي حملت في البدء ارقاما، من البيان الأول إلى البيان السابع، ثم من بعد اصبحت تحمل اسماء مدن احتفالية، مغربية وعربية.. وبهذا يكون تاريخ الاحتفالية هو تاريخ مسرحيات، وهو تاريخ تصورات فكرية، وهو تاريخ بيانات متعددة ومتجددة.
و هذا التنظير الفكري حاضر في كل المسرحيات الاحتفالية، ولكل مسرحية بيانها فيها، ويمكن اعتبار مسرحية ( المتمردة) او ( عيشة قنديشة او الجنية التي ارادت ان تصبح انسية) بيانا مسرحيا، مجسدا ، ومشخصا، وناطقا، ومتحركا، وهذه المسرحية البيان، هي التي قدمها مسرح المدى في افتتاح مهرجان سبو ـ مونودرام بمدينة القنيطرة المغربية
ونفس هذا التبيين موجود في سيرتي الفكرية من خلال كتب متعددة هي (غابة الاشارات) وهي ( انا الذي رايت) وهي (مرافعات الحكواتي الجديد) وهي (الحكواتي الأخير عبد الكريم برشيد ) وهي (عبد الكريم برشيد والبوح) وهي كل حلقات جريدة (المساء) المغربية، والتي كانت تحت عنوان ( عبد الكريم برشيد وكرسي الاعتراف) وهي ( الرحلة البرشيدبدية) والتي هي رحلة فكرية افتراضية في عالم افتراضي، بحثا عن المدينة الاحتفالية، وعن فكر احتفالي فيها، وعن علم احتفالي، مدينة فاضلة لها فنون احتفالية، ولها جماليات احتفالية، ولها اخلاق اختفالية، ولها آداب احتفالية، ولها مؤسسات اجتماعية وسياسية احتفالية ..
وفعل هذا التبيين موجود ايضا في جميع المقالات بجريدة (الميثاق الوطني) في ركن ( سوق الكلام) وموجود في جميع الحوارات الصحفية، والتي تعد بالمئات ..
عنوان مؤقت
وبخصوص هذا البيان المسرحي الجديد، والذي كان من وحي التغيرات التي يعرفها مسرح العالم وعالم المسرح، يقول الاحتفالي ما يلي:
(ولهذا البيان سياقه الذي ساقه بكل تاكيد، وقد جاء من وحي تظاهرة مسرحية فكر فيها وابدعها مسرحي احتفالي من مدينة القنيطرة هو الممثل والمخرج رضوان الإبراهيمي، والذي ينتمي إلى أكبر واشهر مدرسة مسرحية في تاريخ مدينه القنيطرة وفي تاريخ المسرح المغربي بصفة عامة، والتي هي فرقة الأمل المسرحي،
وينعقد مهرجان مهرجان سبو مونودرام، في الفترة الممتدة من 7 نوفمبر الى يوم 11 منه تحت شعار (جسد الفرد وقضايا الجماعة) مما يعني أن حضور الفرد في المونودراما لا يلغي أسئلة ومسائل الجماعة، ولا يقفز على قضايا المجتمع
والدورة الثانية من هذا المهرجان مهداة لروح للفنان المسرحي الأستاذ محمد العسولي، والذي هو أحد رواد الحركة المسرحية بمدينة القنيطرة)
وفي النفس الذي يحمل عنوان (بيان آخر بدرجة خطوة اخرى) يقول البيان، والذي هو كتابة تنتظرية، تتعزز بكتابة ابداعية تشرح الفلسفة الاحتفالية، وتجسدها، وتشخصنها في شخصية مسرحية تسمى عيشة قنديشة الجنية، وعليه فإنه، وعلى هامش المهرجان (يقدم مسرح الملتقى ديو دراما بعنوان (المتمردة) عن احتفالية ( عيشة قنديشة او الجنية التي ارادت ان تصبح إنسية) وهذه المسرحية من اخراج وتمثيل المخرج رضوان الإبراهيمي، مؤسس ومدير المهرجان، ومن بطولة الممثلة نجوى الفيدي من مدينة الصويرة، وموسيقى رشيد فطايس وسينوغرافيا عبد الله الرامي وملابس وماكياج لنادية ابراهيمي وإضاءة سعيد سويبة
ويمكن اعتبار هذه المسرحية بيانا مسرحيا آخر للاحتفالبأية، لأنها تعكس الفلسفة الاحتفالية المتمثلة في إنسانية الإنسان وفي حيوية الحياة وفي مدنية المدينة وفي الحق في الفرح، وفي الاختلاف، وفي التعييد الإنساني والمدني وهذه الجنية الاحتفالية هي قدمت نفسها للناس على الشكل التالي:
(أنا هي عيشة قنديشة، وعيشة قنديشة هي أنا، جنية وابنة جنية، وكريمة سلطان الجن في مملكة الجن الكبرى، مملكته الواقعة بين الماء والماء، وبين الأرض والسماء..
هذا البيت المعلق في السماء، والذي هو كل السماء، هو بيتي أنا، وبيتكم أنتم أيضا، وهو مشيد فوق غيمة مسافرة دائما وأبدا، وهو يطل على الكواكب والنجوم التي تحف به من كل الجهات ..
نعم، هذا البيت هو بيتي، وهذه النجوم المتلألئة بالكواكب والنجوم هي سقف بيتي، وكل هذا الذي في الأرض والسماء هو ملكنا جميعا، أنا وأنتم وكل الكائنات الإنسية والجنية معا، وهو هدية من صانعها الذي يحرسنا كلنا بعنايته الأبوية، والذي يقيم في الأرواح الحية والخفية والبهية)
هي جنية تؤمن بالإنسان الإنسان، وتؤمن بالتلاقي وبالاقتسام، وتؤمن بان كل ما في الوجود هو ( ملكنا جميعا) وان هذا الوجود لا يمكن ان يكون للجن دون الإنس، ولا لقارة دون غيرها، ولا لطبقة دون كل الطبقات الأخرى، وهي تؤمن بوجود الصانع الأكبر، والذي اهدانا هذه الحياة .. والذي ( يحرسنا كلنا بعنايته الأبوية) وهذا الأب هو الذي ( يقيم في الأرواح الخفية والبهية)
وفي ارتباط الإنسان بالمدينة وبالمدنية يقول د. نور الدين الخديري
(للاحتفالية والاحتفاليين حضور باذخ في مختلف المدائن، في كل جغرافية تنسج عيدا جديدا لا يشبه باقي الأعياد في دنيا العباد)
ملتقى الجني و الإنساني
وفي النص المسرحي، والذي تولت دار النشر ايديسوفت بمدينة الدار البيضاء طبعه ونشره، وفي صفحة الإهداء، يقول الاحتفالي الكاتب ما يلي:
(إلى كل جنيات المسرح المغربي والعربي
إلى كل الممثلات الرائعات والمبدعات والمتالقات
اليهن جميعا اهدي 

احتفالية عيشة قنديشة)
مما يعني أن فعل التمثيل المسرحي الصادق والخارق لا يمكن ان يكون إلا عملا سحريا، يلتقي فيه الإنسي بالجني، ويلتقي فيه الممكن بالمحال، ويلتقي فيه المحسوس بالمتخيل، ويلتقي فيه الواقع اليومي بالخرافي والأسطوري
وفي ذلك الاحتفال المسرحي، كما عشناه في تلك الليلة الاستثنائية من عمر مهرجان القنيطرة، التقت الجنية نجوى الفيدي بالانسان رضوان الابرهيمي، الممثل والمخرج، فكان الاحتفال في اعلى درجات الإقناع والامتاع، وفي أعلى درجات الحياة والحيوية، وفي أعلى درجات الصدق والمصداقية
وبخصوص هذه الممثلة الجنية، نجوى الفيدي، فإنني لا املك سوى اقول فيها نفس ما قلته في سلطانة كل جنيات المسرح المغربي والعربي، وذلك في كتاب (الأيقونة ثريا جبران) لقد قلت:
( هي اساسا مجموعة وجوه ومجموعة أقنعة ومجموعة أسماء، فهي إنسية اولا، وهي جنية ثانيا، وهي ممثلة ثالثا، وهي احتفالية رابعا، وهي ساحرة خامسا، وهي حكواتية سادسا، وهي عرافة سابعا، وهي مواطنة كونية ثامنا، وهذا ما جعل شاهدها ( في كتاب ( الرحلة البرشيدبة) يقول ” يا الله.. في عينيها كثير من السحر ومن الجاذبية السحرية)
وعن هذه التجربة المسرحية، كتبت نجوى الفيدي على حسابها في الفيس بوك ما يلي:
(عندما تحظى بفرصة تشخيص عمل كبير امام هرم وعميد المسرح الاحتفالي بالعالم العربي الدكتور عبد الكريم برشيد ومن تأليفه، وان تقف بجانبه فوق الرمح، لا يسعك إلا أن تكون فخورا بنفسك لأنك سرت بخطى ثابتة وتابعت مشوارك وعشقك الذي آمنت به منذ البداية
مسرحية المتمردة تأليف الدكتور عبد الكريم برشيد وإخراج الأستاذ المبدع الذي امن بي ومنحني هذه الفرصة العظيمة رضوان الإبراهيمي)
اما ضيف مهرجان القنيطرة الكبير، المخرج البورسعيدي طارق حسن، فقد قال عن هظأذه الاحتفالية المسرحية ما يلي:
(عرض متميز بداية من الكتابة للدكتور عبد الكريم برشيد الذى حكى عن الجنية عيشة قنديشة، التى هربت من عالم الجن لتتزود بالإنسانية، ولكنها لم تجدها مع الإنسان ..ثم جاء التشخيص للفنانة الجميلة نجوى التى استطاعت عبر الأداء والغناء والرقص أن تؤدى شخصيات مختلفة ويجيء الإخراج للمبدع المغربي الجميل رضوان الإبراهيمى الذى أبدع فى تقديم وجبة درامية عبر سينوغرافيا وموسيقى وملابس ومكياج رائعين)
وفي حفل افتتاح مهرجان القنيطرة، وفي إطار الاحتفاء تلك الليلة بالمكرمين؛ المخرج المصري صلاح الدمرداش، والمخرج والإعلامي المصري طارق حسن، والممثلة المغربية الكبيرة السعدية أزكون والكتب والمنظر المسرحي عبد الكريم برشيد، اعطيت الكلمة من طرف الأستاذ عبد الله مقدم فقرات الافتتاح، ولم يكن ممكنا ألا اقول كلمة في حق ضيوفنا الأعزاء، وفي حق ممثلة جنية، شخصت شخصية التشكيلية الفطرية العالمية الشعيبية، وفي هذه الكلمة أكدت على ان الممثل والممثلة هما روح وجوهر الفعل المسرحي، وان الممثل هو شخصية فوق عادية، لأن الانسان العادي في حياته اليومية مجبر على اختيار هوية واحدة فقط، فإذا اختار ان يكون محاميا، فإنه لا يمكن ان يكون طبيبا، وإذا اختار ان يكون طبيبا فإنه لا يمكن ان يكون محاميا، ولكن الممثل، في عالم المسرح يمكنه ان يكون المحامي والطبيب والملك والوزير والقاضي والجلاد والعالم والأمي والمهرج وكل الشخصيات الممكنة الوجود، وبذلك فقد كانت حياة الممثل والممثلة أوسع واشمل واغنى واعمق،

وبهذا فقد كان الممثل والممثلة هما الأقرب الى عالم الجن، وكانا الأقرب إلى الرؤية العربية القديمة للشاعر ، والذي له علاقة بوادي عبقر، وبالعبقرية، وكان شيطان الإعشى هو مسحل، وكان شيطان امرئ القيس هو لاحظ بن لافض، وكان شيطان عبيد ابن الأبرص هو عبيد سلطان الجنية وسلطان النوم هي جنية يجري عليها ما يجري على كل الناس في دنيا الناس، فهي تنام وتصحو، وهي لا تعرف من اين ياتيها هذا النوم الذي يراها ولا تراه، وهي تعرف ان سلطان هذا النوم اقوى من سلطتها ومن سلطانها، وان سلطته تشبه سلطة وسلطان الموت، وهي عندما تصحو من نومها، تؤكد أن النوم كان هنا(وعندما أقول أنا كان هنا، فمعنى ذلك أنه كان هنا، لقد أحسست وجوده إلى جانبي حتى كدت أراه، ولكنني لم أره، وكان قريبا جدا مني، ولم أره، وحاولت أن أمسك به، ولكنه تبخر في الهواء، وكأنه هو الهواء، وذاب في الفراغ وكأنه هو الفراغ.. أو هو شيء يشبه الفراغ..)
وعندما تنهض، وبخفة كبيرة وغير عادية من فراشها، تقول:
(يا الله، يا الله، في لحظة من اللحظات خيل إلي بأنني أستطيع أن أراه، أرى وجهه، مع أنني لست متيقنة بأن في وجهه وجه، بل ولست متيقنة إن كان في جسده جسد، وبالتأكيد هو ليس شبحا من الأشباح، لأن الأشباح تكون للموتى، وهو أكثر حياة مني، ومن كل الأحياء، ولو كان شبحا من بني الأشباح، أو كان جنيا من مملكات الجن، أو كان شيطانا من بني الشيطان الأكبر لرأيته، لأنني أستطيع أن أبصر ما لا يستطيع أن يبصره سائر الناس في عالم الناس، فمن يكون إذن؟ من يكون ؟ من يكون؟ (بأعلى صوتها) من تكون أيها الزائر الغريب؟)
(ومن يدري، فقد يكون هو اللاشيء، أو هو اللاوجود، أو هو اللا أحد، وإن كان موجودا، فهو الموجود في اللاوجود وهو الكائن في اللامكان، وأنا لا أدري، ولا أحد غيري يمكن أن يدري..
لا لا .. بل هو كائن وموجود، وأنا متيقنة من ذلك، ودليلي على ذلك أن وجوده هذا يعذبني ويحيرني ويقلقني، وهل يمكن أن يعذبنا ويقلقنا الخواء والعدم؟
بالتأكيد لا .. شيء يفعل بنا كل هذا الفعل المدهش، لا يمكن أن يكون إلا موجودا وحيا ومثيرا ومدهشا أيضا..
( وكأنها تخاطب الجمهور) لقد كان هنا. وصدقوني إذا قلت لكم كان هنا.. وفي كل ليلة هو هنا، يأتي مع ظلمة الليل، ويذهب مع أضواء الصباح.. تخفيه الظلمة ويطرده النور .. فشكرا لك أيها النور .. شكرا .. شكرا، لأنك تطرد الظلام وخفافيش الظلام..)
(بالتأكيد لن تصدقوا لو قلت لكم بأنني أنام مرة واحدة على رأس كل مائة عام، نعم، مرة واحدة، وستعتبرون بأنني أمزح، مع أنه لا حقيقة إلا هذه .. قد تبدو غريبة وعجيبة، وهكذا هي الحقيقة دائما، صادمة وعنيفة في أغلب الحالات
هي جنية نعم، ولكنها في الأصل موجودة عند درجة يلتقي فيها الإنسي بالجني، ورغم انها قدراتها الخارقة، فإن هذا النوم يهزمها، وهل يكون هذا النوم إلا الأصغر لأخ اكبر يسمى الموت؟
مسرحية اخرى لجمهور آخر
هي مسرحية اخرى اذن، مسرحية تنتمي لمسرح اخر، وجمهورها الحقيقي هو جمهور اخر، مع وجود كاتب جني ووجود مخرج جني ووجود ممثلة جنية ووجود سينوغراف جني، ووجود تقني جني، لا يمكن ان يستقيم إلا بوجود جمهور من الجن ايضا .. وابن هو هذا الجمهور اليوم؟
وبخصوص ذاك الجمهور الذي فقد اليوم ثقافته المسرحية، وفقد ذاكرته، وفقد ذوقه، وفقد حسه الجميل والنبيل، تقول الممثلـــة في ( الرحلة البرشيدبة) ما يلي،:
(وأفظع ما في هذا الجمهور ـ اليوم ـ هو الذوق السوقي يا سيدي)..
ليكون جواب من يحاورها هو:
(شيء طبيعي يا سيدتي، لأن أخطر ما في هذه المدن النحاسية أسواقها، وأخطر ما في هذه الأسواق هي الدكاكين المشبوهة، وأفظع ما في الدكاكين السلع، وأنجح هذه السلع هي السلع الممنوعة والمحرمة والمهربة..)
وبحسب هذه الممثلـــة، فإن (هذا الجمهور يمشي اليوم بسرعة قياسية، وفي المقابل، فإن ذاكرته ضعيفة وقصيرة جدا، وهو يرى ولا يقرأ، ويشاهد ولا يستوعب، وهو يراكم الصور بعد الصور، ويضع المشاهد فوق المشاهد، ثم بعد ذلك ينساها جميعها، ويذهب للبحث عن غيرها، وهو لا يرانا ولا يتذكرنا إلا إذا كنا تحت الأضواء الكاشفة، إما إذا انسحبت عنا هذه الأضواء، فإنه لا يعرفنا..)
هذه الممثلـــة هي التي قالت نيابة عن كل الممثلات الجنيات في العالم، في المقارنة بين الحياة في المسرح والوجود في الصورة في التلفزيون ما يلي :
(المسرح بيتي ومسكني، بيتي الذي أعيش فيه وأحيا، والذي لي فيه أهل وأحباب، ولي فيه جيران ورفاق درب، أما التلفزيون فهو عندي مجرد نافذة، أو هو مجرد شرفة عالية في هذا البيت العالي، والأحمق من يبيع بيته كله، من أجل أن يشتري جزء فيه، يشتري بابا أو نافذة أو عتبة جميلة، والأهبل من يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومن يقنع بنافذة في حجم صندوق، نافذة تطل على العالم وتطل على الناس من بعيد.. إنني أخاف يا سيدي.. أخاف أن أضيع أهم الأشياء وأخطرها في هذا الفعل الذي يسمى التمثيل..)
هذه الممثلـــة الجنية هي التي قالت لنا في (الرحلة البرشيدبة) ما يلي:
( وأنا لا أومن بالمسرح إلا إذا كان عيدا، ولا أومن بالتمثيل إلا إذا كان تعييدا جميلا في ساعة استثنائية من عمر الزمن..
وفي هذه الاحتفالية المسرحية استعادت الممثلة نجوى الفيدي حياتها وحيويتها، واستعادت انيانيتها كاملة، واستعادت قيمتها وقامتها في مسرح الحياة وفي حياة المسرح