بقلم الاستاذ : حميد طولست
في زمن ما بعد الوعي، لم يعد بوسع منابر الوعظ الشعبوي أن تخدع الناس طويلاً، ولم يعد الجمهور يصفق بحرارة لكل من يعتلي منصة ويلوّح بكلمات دينية معسولة تتخللها خطب حماسية ونبرات مؤثرة. من بين هؤلاء الذين ركبوا هذا الموج، يطل علينا اسم ياسين العمري، الواعظ الذي تحوّل إلى “يوتيوبر دعوي”، يطارد المشاهدات أكثر مما يبحث عن الحقيقة، ويغرف من الدين ما يخدم “الترند”، لا ما ينفع الناس. لكن ما يُثير الغضب، بل ويعرّي حقيقة هذا “المُؤثر الديني”، هو عداؤه السافر والمتكرر للغة الأمازيغية، لغة الأرض والناس في هذا الوطن. فالرجل، الذي نصّب نفسه “خبيراً لغوياً” بلا رصيد أكاديمي معتمد، سقط سقوطاً مدوياً حين حاول التفلسف على اللغة الأمازيغية ليخلط بين مفرداتها، ويدّعي وجود “لبس” في بنيتها، وهو في الحقيقة لم يفهم منها شيئاً. حينها، لم يسقط فقط في الجهل، بل سقط في الاستعلاء. الخطير في الأمر أن تصريحات ياسين العمري لم تكن مجرد زلة لسان أو سوء فهم لغوي، بل هي جزء من خطاب منظم ومعادٍ لكل ما هو أمازيغي، يستبطن رؤية إقصائية تعود بنا إلى زمن التنكر للهويات الأصلية، وفرض نموذج أحادي للانتماء والثقافة. فهل يُعقل أن يعيش شخص في أرض الأمازيغ منذ سنين، ويخطب فيهم باسم الدين، وهو لم يتعلم حتى كلمة احترام واحدة بلغتهم؟ بل ويمضي إلى السخرية من لغتهم وتاريخهم وموروثهم الحضاري؟ ياسين العمري ليس سوى نموذج صارخ لظاهرة “الوعاظ الرقميين”، أولئك الذين وجدوا في “اليوتيوب” ضالتهم، فحوّلوا الدعوة إلى محتوى قابل للتسويق، والوعظ إلى أداة لاصطياد التفاعل والمشاهدات، في خلط خطير بين الدين والإعلام، بين القداسة والرغبة في الربح. من يتابع مقاطعه سيلاحظ ذلك بوضوح: تكرار، تعميم، عاطفة مفرطة، عداء للمخالف، وتناقض صارخ بين الخطاب والممارسة. لا يكاد ينتهي من حديث عن “الأخوة في الإسلام” حتى يسقط في تمييز عرقي فج، ولا ينتهي من موعظة عن “الرحمة بالخلق” حتى يستهزئ بجماعة لغوية بأكملها. ما يحدث اليوم في الدشيرة الجهادية، من رفض شعبي واسع لاستقبال العمري، هو ردّ فعل واعٍ وناضج، يُعبّر عن يقظة مجتمعية ترفض تحويل الدين إلى غطاء لطمس الهوية، أو جعله أداة لتبرير الميز اللغوي والثقافي. فليعلم من يجهل التاريخ أن اللغة الأمازيغية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء حضاري، وهوية متجذرة، ومكون أساسي في الشخصية المغربية. ومن لم يفهم هذا، فلا مقام له بين الأحرار، حتى وإن تلحف بعباءة “الوعظ”.