حميد طولست
في خرجة مثيرة للانتباه، أثار وزير العدل في حكومة الإسلاميين، الأستاذ المصطفى الرميد، قضية غياب تفعيل لجان تقصي الحقائق داخل المؤسسة التشريعية المغربية، رغم تعاقب الأزمات وتضارب المعطيات الرسمية بشأن قضايا تمس الرأي العام. خرجته، وإن بدت في ظاهرها تحذيراً من فراغ دستوري في الرقابة، فهي في عمقها تفتح الباب لتساؤلات أعمق حول حقيقة إرادة الإصلاح، وجدوى آليات المراقبة، وحدود الصلاحيات البرلمانية في مواجهة ما يُنظر إليه كمناطق مغلقة أمام المساءلة.
آلية دستورية مشلولة
ليست لجان تقصي الحقائق ترفاً ديمقراطياً، بل آلية رقابية منصوص عليها في الدستور المغربي، هدفها تعميق الشفافية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، عبر كشف ما خفي من اختلالات وتحديد المسؤوليات. غير أن الواقع المغربي يكشف، كما أشار الرميد، أن هذه الأداة باتت شبه غائبة، رغم كثافة الأحداث التي كان يفترض أن تستدعي تفعيلها بشكل روتيني.
إذا كان الوزير يأسف لغياب لجنة تقصي بخصوص تضارب أرقام دعم الأكباش، فما القول إذن في ملفات أكثر خطورة وتعقيداً، مثل فضيحة امتحان المحاماة، التي تضمنت اتهامات بالتزوير والمحسوبية؟ أو ملفات الصفقات العمومية، وانتهاكات حقوق الإنسان، وتبديد المال العام؟
من لجنة الحقيقة إلى لجنة النسيان
التعليقات التي أعقبت خرجة الرميد على منصات التواصل كانت لاذعة، وطرحت بمرارة سؤالاً حاسماً: ما مصير لجان تقصي الحقائق التي شُكلت فعلاً؟ هل تركت أثراً ملموساً؟ هل ترتب عنها أي نوع من المحاسبة؟
من ينسى لجنة سيدي إفني سنة 2008، التي كان الرميد نفسه عضواً فيها حين كان في المعارضة؟ ما مصير خلاصاتها؟ وأين هي التوصيات؟ بل ماذا تغير في منهجية العمل البرلماني منذ ذلك الحين إلى اليوم؟ يبدو أن أغلب لجان التقصي تتحول من فضاءات لكشف الحقائق إلى صناديق لدفنها، بعد صخب إعلامي عابر.
ازدواجية المواقف و”السياسوية”
ليست المشكلة فقط في ضعف تفعيل هذه اللجان، بل في الانتهازية السياسية التي تحكم اللجوء إليها. حين يكون الحزب في المعارضة، تصبح لجنة تقصي الحقائق سلاحاً مشروعاً لكشف “الفساد” وفضح “الريع”، لكنها حين يصل إلى الحكومة، تتحول اللجنة نفسها إلى تهديد لاستقرار الدولة، أو “أداة للمزايدات”.
تصريحات الرميد إذن، مهما كانت نيتها، لا تخلو من طابع سياسوي وانتخابوي. فهو يطرح سؤالاً مشروعاً، لكنه يأتي في سياق يغلب عليه حساب التموقع السياسي، خاصة وأن حزبه يعيش فترة انحسار سياسي بعد فقدان ثقة الشارع.
ديمقراطية بلا محاسبة؟
في الدول الديمقراطية، تكتسب لجان تقصي الحقائق قوتها من ثقة المواطنين في المؤسسات، ومن قدرتها على فرض المتابعة والمحاسبة. أما في الحالة المغربية، فكل المؤشرات توحي بأن الأمر مختلف: غياب الإرادة السياسية، استغلال الأدوات الدستورية في الصراع الحزبي، ضعف استقلالية القضاء، وقوة “الخطوط الحمراء” التي لا يُسمح بتجاوزها.
كل ذلك يطرح سؤالاً وجودياً: هل نحن أمام مؤسسات رقابية حقيقية، أم أمام واجهات شكلية لا تُهدد أحداً ولا تُصلح شيئاً؟
الخاتمة: الحقيقة المؤجلة
ما قاله الرميد، وما تبعه من تعليقات، يكشفان أن المغاربة لا يعانون من قلة الوعي بالمشاكل، بل من كثرة الخيبات في أدوات الحل. لجان تقصي الحقائق، التي يُفترض أن تكون جسر الثقة بين المواطن والدولة، تحوّلت إلى مرآة تعكس اختلالات المنظومة، لا أكثر.
ويبقى السؤال الأهم: من يحق له أن يسأل عن غياب لجنة تقصي الحقائق، إذا كان من تولّى السلطة لم يفعل شيئاً حين كان قادراً على تشكيلها؟
هنيئاً لنا بديمقراطية لا تقصّي فيها، ولا حقائق تُكشف، ولا محاسبة تُرتجى…
حميد طولست