وهمٌ ثقافي يكبل شعوبنا في كثير من المجالس والنقاشات الشعبية، كلما طُرحت مقارنة بين حالنا وحال الشعوب المتقدمة، خصوصاً بيننا كمغاربة وجيراننا الإسبان، يخرج من يقول: “لهم الدنيا ولنا الآخرة”، كأنها كلمة السر التي نواسي بها أنفسنا، ونهرب من الواقع، ونقنع أنفسنا أن ما نعيشه من فقر وتخلف وضعف هو قدر إلهي لا مفر منه. لكن هل فعلاً اختص الله شعوباً بالدنيا، وأخرى بالآخرة؟ وهل يمكن اعتبار التخلف والجمود والكسل عبادة وتدّين؟ وإذا كانت الآخرة جزاءً حقيقياً، فهل توزع على الشعوب كجوائز جماعية، أم على الأفراد بحسب أعمالهم؟ من السهل أن نرمي فشلنا على الغيب، وأن نغطي عجزنا بشعارات روحية، لكن الحقيقة المرة أن الإسبان – وهم جيراننا الأقرب، الذين نتشارك معهم نفس البحر ونفس الشمس – كانوا قبل بضعة عقود يعيشون ظروفاً صعبة لا تختلف كثيراً عن حالنا، اقتصاد هش، نسبة أمية مرتفعة، وديمقراطية هشة. لكنهم لم ينتظروا الآخرة، بل آمنوا أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، فاختاروا العلم والعمل والحرية، ونجحوا في بناء دولة تحترم الإنسان وتوفر له سبل العيش الكريم. وفي المقابل، لا زلنا نحن نُسقط كل شيء على القدر، ونفسّر كل أزمة بأنها “ابتلاء”، وكل نجاح لغيرنا بأنه “استدراج”. وبدل أن نقتدي بالتجارب الناجحة، نغرق في خطب لا تنتهي عن الصبر والجزاء الأخروي، وكأن الدنيا ليست دار استخلاف وعمل وإعمار. إن الحقيقة التي يجب أن نفهمها جيداً هي أن الجزاء في الآخرة فردي، لا يُمنح لشعب دون آخر، ولا يُوزع حسب الجنسيات، بل يُحاسب كل إنسان على عمله. بينما الجزاء الجماعي هو في الدنيا، وهو ما نراه أمامنا: شعوب تعمل وتنتج وتبدع، فتحصد التقدم والرفاه، وأخرى تعيش على هامش الحياة، وتكتفي بالأمنيات والدعاء. ولذلك، فإننا اليوم أمام خيار واضح: إما أن نعيد النظر في ثقافتنا ونصحح فهمنا للدين والعمل والآخرة، ونسير على طريق الإصلاح الحقيقي كما فعل الإسبان، أو نظل نردد: “لنا الآخرة” حتى تسبقنا بقية الأمم إلى الدنيا… والآخرة أيضاً. الله خلق لنا الأرض وسخّرها، ولم يأمرنا بالاستسلام، بل بالسعي والتفكر والعمل. وإن كان الدعاء مطلوباً، فإن العمل هو شرط الإجابة. أما أن ننتظر معجزة دون أن نتحرك، فذلك ليس من الدين في شيء.