حميد طولست
الحجاب: غطاء ديني أم أداة تمييز اجتماعي؟ لطالما قُدِّم الحجاب في الخطاب الديني التقليدي كرمز للعفة، وأداة لتكريم المرأة وحمايتها من أعين الرجال. لكن، عند سبر أغوار التاريخ الإسلامي والاجتماعي، يبرز تساؤل جوهري: هل كان الحجاب فعلاً تكريماً للمرأة، أم أنه أداة سلطوية، غُلّفت بغلاف ديني لتُكرّس تمييزاً طبقياً بين “الحرة” و”الأَمَة”، ولتُقيّد حرية النساء تحت ذريعة الشرف والفضيلة؟ عندما ننظر إلى الحجاب في سياقه التاريخي ، وبدايات فرضه في المجتمع الإسلامي، نجد أن النصوص القرآنية كانت تتحدث عن التفريق بين “الحرائر” و”الإماء” من خلال اللباس، لا عن فرض شامل على كل النساء. فالحرائر أُمِرن بالتستّر كتمييز طبقي واجتماعي، بينما لم تُفرَض تلك القواعد على الجواري. وهذا وحده يطرح إشكالاً أخلاقياً: إذا كان الغطاء وسيلة لصون الكرامة والشرف، لماذا استُثنيت منه السبايا؟ أليس في هذا تمييزاً ضمنياً يعتبر أن الجارية ليست جديرة بالحماية نفسها؟ فحين أراقب الحياة اليومية هنا في إسبانيا، ألاحظ شيئًا لافتًا: المرأة، سواء كانت شابة أو مسنة، ترتدي ما تشاء، تعيش بحرية، تُعامل باحترام كامل، ويُنظر إليها كفرد مستقل، لا كرمز لعفة أو وعاء لشرف العائلة. هي إنسانة قبل كل شيء. وفي المقابل، حين أسترجع واقع كثير من النساء المغرب واغلب البلاد العربية، أرى صورة مختلفة: احترام المرأة مرتبط بحجابها، وشرفها يُقاس بمدى “احتشام ملابسها”، بينما يُغضّ الطرف عن حقوقها وحريتها الفردية. فالمرأ الغربية عامة والإسبانية على وجه الخصوص ، إنسانة أولاً، لا جسد مُراقب بقيود لباسها، ولا يُساء إليها لمجرد أنها غير محجبة. تمارس حياتها المهنية والاجتماعية بحرية، وتُعامل باحترام، لا لأن جسدها مغطى، بل لأن المجتمع يعترف بإنسانيتها وحقوقها دون شروط. لا أحد يربط أخلاقها بما ترتديه، ولا يُحمّلها مسؤولية نظرات الآخرين. بخلاف الكثير من المجتمعات العربية، التي تختزل شرف المرأة في خطاب ثقيل يُحمّلها عبء “صون الشرف”، وتطالبها بالحجاب لا حباً في الدين، بل خوفًا من نظرة المجتمع، أو درءًا للعار، أو طاعةً للسلطة الذكورية ، التي تعتبر المحجبة محترمة، وغير المحجبة تُوصم ….، وكأن الأخلاق تُقاس بالأقمشة لا بالعقول. ما يُظهر الفارق الحقيقي بين المرأة في المجتمعات المتحضرة “الإسبانية” والعربية ليس فقط الحجاب، بل الحرية في اختياره أو رفضه. المرأة الغربية، وإن لم تكن محجبة، قد تُعتبر أكثر كرامة من تلك التي فُرض عليها الحجاب بالإكراه، لأن الكرامة الحقيقية تبدأ من حرية القرار، لا من الانصياع لأوامر الآخرين. لا قيمة لحجاب يُفرض بقوة العائلة أو المجتمع أو حتى القانون. جسد المرأة ،هنا في إسبانيا،(كما في كافة البلاد الغرب ) ليس موضوعًا عامًا يُناقشه الجميع، بل شأنٌ خاص بها. أما في كثير من المجتمعات العربية، فكل شخص يشعر أن له حقًا في تحديد ما تلبسه المرأة، كأن جسدها ملكية جماعية. والنتيجة؟ أن المرأة لا تُربى على أن تكون حرة، بل على أن تكون “محتشمة” حتى تُرضي الآخرين، لا نفسها. فالمرأة لا تُقاس بغطاء رأس، بل بحرية عقل. الإسبانية، رغم أنها لا ترتدي الحجاب، تُعامل بكرامة لأنها وُلدت في مجتمع يراها إنسانة كاملة. أما العربية، فكثيرًا ما يُنتقص من كرامتها تحت شعارات “الستر” و”الفضيلة”، ويُربط احترامها بما ترتديه، لا بما تختاره. والنتيجة؟ حجاب بلا حرية لا يكرّم، بل يُقيد.