مجرد سؤال : مشروع قانون الصحافة الجديد بالمغرب.. مسار مشاورات عاصفة…!

سعيد معواج 

يثير النقاش الدائر حاليًا في الساحة العمومية المغربية، بشأن حزمة القوانين المتعلقة بقطاع الصحافة والنشر، حالة من التباين في المواقف، بين من يرى فيها دينامية سياسية مطلوبة في الزمن الراهن، ومن ينتقد سرعة تنزيلها في ظل غياب نقاش مجتمعي واسع يضمن إشراك مختلف الفاعلين، انطلاقًا من كون أي تشريع ينبغي أن يعكس الإرادة الجمعية، لا باعتباره إلزامًا قانونيًا فحسب، بل باعتباره أداة لها انعكاسات عملية على واقع الحريات والحقوق.

في صلب هذا النقاش، يبرز مشروعا قانون المجلس الوطني للصحافة وقانون الصحافي المهني، باعتبار الصحافة بوتقة ينصهر فيها الرأي العام ويتفاعل مع قضايا الشأن العام، بالنظر إلى الوظيفة الحيوية للإعلام في التأطير، والتنوير، وتشكيل المواقف. ورغم تعدد هذه الوظائف، فإنها تبقى رهينة بحدّين: أحدهما يسعى إلى بناء الوعي وترسيخ القيم، والآخر قد ينزلق إلى التضليل أو التوظيف المادي غير المسؤول.

قد أكون قد وفقت، أو لا، في عرض وجهة نظري ضمن هذا المقال، الذي سعيت فيه إلى التحليل الرصين لمشروع القانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة هيكلة المجلس الوطني للصحافة، مستأنسًا بآراء زميلات وزملاء ومختصين، ومستحضرًا بعض المعطيات التي أتاحها الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة في استقراء المعطيات الرقمية والمؤشرات، بعيدًا عن الانحياز المهني أو التموقع السياسي، مع وعي تام بتعقيدات السياق الإعلامي والسياسي الوطني الراهن.

وفي هذا السياق، نستحضر مقولة الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل في مؤلفه “عن الحرية”، حيث شدد على مركزية حرية التعبير كشرط ضروري لتقدم المجتمعات، مع التأكيد على ضرورة احترام حق الآخرين في التعبير أيضًا.

1. في ضرورة الإصلاح: بين الإرادة السياسية ومطلب التنظيم الذاتي

يبدو أن الحكومة، ممثلة في وزير شاب يطمح لترك بصمته في القطاع، تنطلق من قناعة بضرورة تجاوز مرحلة اللجنة المؤقتة التي أدارت شؤون المجلس الوطني، عبر طرح مشروع قانون جديد يستجيب لمتطلبات التنظيم المؤسسي والممارسة المهنية. وقد استندت في ذلك، على ما يبدو، إلى منطق الإصلاح التشريعي المرتبط بتحديث آليات التنظيم الذاتي وضمان التمثيلية المهنية.

وهنا نستحضر طرح المفكر السوسيولوجي كلود جان-برتران، الذي دعا إلى تعزيز “أخلاقيات الإعلام” ضمن إطار قانوني يحترم حرية التعبير دون المساس بالمبادئ الديمقراطية.

2. تخوفات الفاعلين: بين التوجس الحقوقي والمخاطر المؤسساتية

في المقابل، تبدي مكونات الجسم الصحفي والحقوقي تخوفات معتبرة، على رأسها:

غياب المقاربة التشاركية خلال إعداد مشروع القانون، مع تهميش لآراء المهنيين.

منح المجلس صلاحيات ضبطية تمس استقلال القضاء، مثل توقيف المنشورات دون حكم قضائي.

تهديد المقاولات الإعلامية الصغرى من خلال ربط التمثيلية بالقوة الاقتصادية.

حذف بند “الانتهاكات الحقوقية” من التقارير السنوية، بما قد يكرس الإفلات من المساءلة.

ورغم مشروعية هذه التخوفات، إلا أن نقدها لا يُعدّ نفياً لأهمية الإصلاح، بل تأكيدًا على ضرورة تحقيق توازن دقيق بين التحديث التشريعي وصون الحريات.

3. الحرية والتنظيم: نحو معادلة ممكنة؟

إن الحرية الإعلامية لا تعني الفوضى، بل تستدعي نظامًا أخلاقيًا وتشريعيًا يضمن جودة المحتوى ويحمي المهنة من التفاهة والإثارة المجانية. فلا معنى لإعلامٍ يتحول إلى “باباراتزي”، يسعى للسبق دون مراعاة القيم، ولا جدوى من ممارسة صحفية تُختزل في الربح دون مسؤولية.

التحدي الجوهري يكمن، إذن، في بناء معادلة متوازنة: تنظيم ذاتي قوي + حرية مسؤولة = صحافة مستقلة وفاعلة.

4. السياق السياسي والحقوقي: لحظة مفصلية

إن اللحظة التي نعيشها تُعد مفصلية، لا فقط لأن مشروع القانون مطروح للنقاش، ولكن أيضًا لأننا أمام اختبار حقيقي لمدى استعدادنا الجماعي لتطوير قطاع الصحافة ليواكب التحولات الرقمية والمالية العالمية، دون التفريط في المرجعيات الوطنية والقيم الدستورية.

وهنا نستحضر رؤية المفكر الألماني يورغن هابرماس، الذي اعتبر الإعلام الحر من أبرز مرتكزات “الفضاء العمومي”، مشددًا على دور التشريعات في ضمان هذا الفضاء كأداة ديمقراطية لتوازن السلطات ومساءلتها.

5. نحو مجلس وطني جامع: الرؤية والمأمول

ليس هناك طرف واحد يحتكر مشروعية الإصلاح أو يملك الوصفة السحرية لتنظيم قطاع معقد كالإعلام، لكنه عمل تراكمي يستوجب حوارًا حقيقيًا وجامعًا. والمجلس الوطني للصحافة – في صيغته المنتظرة – ينبغي أن يكون منصة تشاركية تُشرك الجميع، على أساس العدالة التمثيلية والتنوع المهني، لا الخضوع لمنطق السوق أو التعيين الفوقي.

خاتمة.. بين الرهانات والآفاق

إن مشروع قانون 26.25 ليس مجرد نص قانوني، بل لحظة امتحان وطني لمدى نضج تجربتنا الإعلامية والديمقراطية. بين الرهانات السياسية، والمصالح الاقتصادية، وتطلعات المهنيين، تبرز الحاجة إلى مراجعة رشيدة، تضمن الاستقلالية والتوازن، وتحمي حرية التعبير كمبدأ لا كاستثناء.

فهل نملك الشجاعة لنبني إعلامًا وطنيًا حرًا ومسؤولًا؟
وهل نمتلك الإرادة الجماعية لنُفعّل التنظيم الذاتي، لا كشعار بل كواقع؟

سعيد معواج التازي
#للعموم
#تعبير
#المغرب
#للتواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *