حميد طولست
كأن فاس لا يكفيها ما بها من خراب عمراني وتعثر تنموي، حتى تصفعنا اليوم بفضيحة أخلاقية وإنسانية تهز الضمير الحي لكل من بقي له ذرة إحساس في هذه المدينة. الفضيحة التي فجرها الناشط السياسي والنقابي والحقوقي الأستاذ محمد الحداد ليست مجرد شكاية، بل صرخة مدوّية، اختزلها في سؤاله الصادم والموجّه مباشرة إلى عمدة فاس، وإلى والي الجهة بالنيابة، ومندوب وزارة الصحة:
“واش كايديكوم النعاس أمام هذه الكارثة؟!”
الكارثة موثقة بالصوت والصورة: لمجموعة من الكلاب المحجوزة داخل مجزرة عين قادوس، مكدسة، مهملة، منهكة، تموت ببطء دون طعام، ولا ماء، ولا حتى تلقيح يحميها من الأمراض والعدوى.
الصور التي وثقها الفيديو المنتشر لم تكن مجرد مشاهد عابرة، بل مرآة لما آلت إليه وضعية مدينة تعاني أزمة قيادة، وغياب حس المسؤولية ، التي كتب عنها الصحفي أحمد سوجاع قائلا:”لم تعد أزمات النقل، وتدهور البنية التحتية، وتعطيل المشاريع الكبرى وحدها من تفضح ضعف جماعة فاس، بل امتد التقصير هذه المرة ليطال أبسط مظاهر الرحمة… في حق الحيوان!”
الذي ينص القانون المغربي – ومعه المواثيق الدولية التي التزمت بها المملكة – على ضرورة التعامل مع الحيوانات في إطار من الإنسانية والرعاية الصحية والبيطرية. لكن، وكما يبدو، فإن هذا “القانون” في فاس لا يعدو أن يكون حبرًا على ورق.فمن المسؤول عن هذا الإهمال؟ ومن سمح باستمرار هذا الوضع حتى وصل إلى هذه الدرجة من القسوة والتجرد من كل حس أخلاقي؟
تسيير فاشل أم تجاهل ممنهج؟
حين يتخلى المسؤولون عن أبسط شروط الرعاية، لا للحيوانات فقط بل للإنسان كذلك، فإن الأمر يتجاوز حدود الخطأ الإداري، ليصبح تعبيرًا عن أزمة قيادة حقيقية.
لقد كشف هذا الحدث، مرة أخرى، أن مدينة فاس تُقاد بلا بوصلة، وأن وعود العمدة عبد السلام البقالي وفريقه لم تكن سوى سرابٍ انتخابي، سرعان ما انقشع مع أول هبة أزمة.
المؤلم في الأمر أن هذه الكائنات البريئة، التي لم تختَر هذا المصير، كانت مجرد ضحايا إضافية لفوضى التسيير وبلادة الضمير. فهل يعقل أن يتعامل مجلس منتخَب بهذه اللامبالاة الفجة مع حياة مخلوقات تعاني الجوع والمرض؟
هل نحن أمام عودة إلى عصور الظلام، حيث لا قيمة إلا لمن يمتلك الصوت الانتخابي أو الولاء الحزبي؟
نداء لا بد أن يُسمع
من هذا المنبر، نرفع نداءً إلى كل الجمعيات الجادة والعاملة في مجال الرفق بالحيوان، وإلى الأصوات الحرة من المجتمع المدني، للضغط من أجل:فتح تحقيق عاجل في هذه الفضيحة ومحاسبة كل المتورطين، من الأعلى إلى الأدنى ، وإعادة النظر في شروط احتجاز ومعاملة الحيوانات داخل المرافق العمومية ، مع تفعيل القانون وليس الاكتفاء بالتغني به ، والذي إذا كانت الكلاب لا تستطيع تصرخ مطالبة به، فإن الجمعيات الجادة العاملة في مجال الرفق بالحيوان،قادرة على أن تصرخ نيابة عنها… ولن تصمت إلا بعد إحقاق الحق وإزهاق الباطل!