الفايسبوك والذكاء الاصطناعي” بين التكفير والتدجين

حميد طولست

في زمن غير بعيد، كان “الفقهاء والدعاة ومتأسلمو الجزيرة والمحيط” يرون الفايسبوك بوابة جهنم الإلكترونية. صعدوا المنابر وملؤوا الشاشات وعناوين الصحف بشتمه وتكفيره، لا لأنه – كما يحبون أن يتغنوا – صناعة يهودية أمريكية تساند إسرائيل، بل لأنه كان أكبر كاشف لأكاذيبهم، وأوسع مرآة تعكس نفاقهم التجاري باسم الإسلام وفلسطين والقدس.
لكن، وكما هي العادة مع تجار الدين، لا عداوة تدوم إذا كان في الأمر مكسب. فبعد حفلات الشتم والتأثيم، اكتشفوا أن الفايسبوك يمكن أن يكون ماكينة ذهبية لتوزيع الوهم على البسطاء، وترويج الفتاوى المعلّبة، وتسويق مظلومية مدفوعة الأجر. وفجأة، بلعوا ألسنتهم وفتحوا حسابات، وأصبحوا “إنفلونسرز” العمائم. ولو كان عندهم بديل بنفس القوة، لكفّروا كل مستخدم للمنصة وألحقوه بقائمة “أهل النار”.
لكن الفايسبوك كان مجرد بروفة. جاءت بعدها قنبلة “الذكاء الاصطناعي” التي جعلت الدراويش والمنافقين يبلّلون لحاهم من الهلع. فالذكاء الاصطناعي لا يعرف “خدعة السكوت عن نصف الحقيقة”، بل ينشر الفضائح بالـ 4K، ويعرّي الأكاذيب التي عاشوا منها سنين. بعضهم كاد يصاب بـ”جلطة فقهية” من هول الصدمة، “كانت هتوديهم في ستين داهية”. كما يقول إخوتنا في مصر ”
وحين استعادوا أنفاسهم، جاء الحل العبقري: تفتقت أذهانهم عن خطة ماكرة: وضع “أخلاقيات” للذكاء الاصطناعي، لا لحماية الإنسانية من مخاطر التقنية، بل لتدجينه وترويضه بالوصايا، تقييده بالفتاوى، وإغراقه بخطاب “المصلحة الشرعية”، وتحويله إلى أداة طيّعة في أيديهم، كما فعلوا من مع الشعوب الإسلامية التي كبّلوها بأحاديث موضوعة وفتاوى متخلفة،تفننوا في نشرها عبرالقنوات الفضائية الدينية التي أصبحت أداة تسلية آمنة للنظام العقائدي، ووسيلة فعالة لتسويق التخلف بلمسة تكنولوجية.
:
وهكذا، يثبت التاريخ الحديث أن المشكلة ليست في الفايسبوك أو الذكاء الاصطناعي، بل في أولئك الذين يدخلون أي اختراع جديد كما يدخلون الأسواق: يلعنونه أولًا، ثم يشترونه بالجملة، ثم يبيعونه لنا معبّأً بالسم الأخلاقي في عبوة دينية محكمة الإغلاق.
حميد طولست.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *