بدر شاشا
في مجتمعنا اليوم، نحتفل كثيرًا بالأم ونكرمها في المناسبات والفعاليات، ونسمع عن أمثالها ونرفع من قدرها، وهذا حق لا جدال فيه، فالأم رمز التضحية والحب اللامحدود، لكنها ليست الوحيدة التي تستحق التقدير. الأب، ذلك العمود الفقري للأسرة، الذي يتحمل أعباء الحياة الثقيلة بصمت، يبقى غالبًا في الظل، نادرًا ما يُذكر أو يُحتفى به، حتى في يومه الخاص، عيد الأب الذي يغيب في كثير من المجتمعات العربية، بما في ذلك المغرب.
الأب هو الذي يكد ليلاً ونهارًا لتوفير السكن والملبس والغذاء والماء والكهرباء والنقل والتعليم لأبنائه، هو الذي يضحي براحة نفسه من أجل أن يشعر أولاده بالاستقرار والأمان. الأب هو الطبيب الأول، المرشد، والموجه في المواقف الصعبة، هو الذي يسعى بكل جهد لتأمين حياة كريمة لعائلته، وقد يبذل كل ما يملك، حتى إن مرض أو تعب، لا يُظهر ذلك إلا بصعوبة.
لكن الواقع المؤلم أن المجتمع غالبًا يغفل دوره، ولا يعطيه الحقوق المعنوية التي يستحقها. الاحتفال بالأب ضعيف أو معدوم، وتقديره بالكلام أو اللفتات الجميلة قليل جدًا مقارنة بتضحياته اليومية. حتى بعض القوانين الاجتماعية والعادات تعطي اهتمامًا أقل بالأب، وتغفل دوره في التربية والدعم المالي والمعنوي، في حين تُرفع الأم على منابر التقدير دائمًا.
إن نكران حق الأب ليس مجرد قصور اجتماعي، بل هو خلل في فهم معنى الأسرة المتكاملة، فالأسرة بلا تقدير الأب، بلا احترام جهوده، تفقد توازنها وقيمها. يجب أن ندرك أن تكريم الأب ليس عيبًا، بل واجب أخلاقي وإنساني، وبدون ذلك لن نحقق العدالة الأسرية الحقيقية.
الأب يحتاج إلى كلمات امتنان، إلى لفتة تقدير، إلى احترام عميق يعكس دوره العظيم في حياتنا، قبل أن نفقده ونندم على سنوات لم نقدرها. فالاحتفال بالأم مهم، ولكن دون الأب، تبقى الأسرة ناقصة، والتاريخ سيظل يسجل أن الأب في صمت، حمل أعباء الجميع، وغابت عنه كلمات الشكر والتقدير.
الأب المنسي ليس مجرد عنوان، بل حقيقة واقعية يجب أن نعترف بها، لننهض بمجتمعاتنا على قيم العدل والاعتراف بالتضحيات، ونبدأ من أبسط شيء: كلمة شكر، عناق، وتقدير حي لكل أب في حياتنا، ليس مرة واحدة في السنة، بل في كل يوم من حياتنا.