اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة تتطاول على تقرير مؤسسة دستورية معينة من طرف الملك، يمثلها أكاديميون وقضاة ومحامون وكفاءات وطنية شامخة.

طلعت علينا اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة، ببلاغ تنتقد فيه تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان. وكان رئيس مجلس النواب، قد أحال مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بعد المصادقة عليه في مجلس النواب، على كل من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان لإبداء الرأي والمشورة. وذلك لتدارك الموقف، بعدما شعر أن وزير قطاع الاتصال المهدي بن سعيد “دوز عليهم الدكاكة”، وإصلاح ما يمكن إصلاحه من أخطاء تشريعية وتناقضات قانونية، مررها مجلسه. وتسببت في ضجة متأججة وتداعيات مقلقة في الأوساط المهنية والهيئات القطاعية.
وكان المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إلى جانب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، قد فتح باب التشاور والتحاور مع الهيئات المهنية والحقوقية والمدنية، لمناقشة مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. حيث استمع لأكبر عدد من المهنيين والمجتمع المدني، وفق لما يقتضيه الدستور والمواثق والعهود الدولية، وما تمليه القواعد الديمقراطية التي يؤمن بها العالم وشعوبه باسره، إلا اللجنة المؤقتة وأذنابها.
وفي انتظار صدور تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان ليلة الأمس، تقريره حول مشروع قانون رقم 25-26، وتضمنت خلاصاته مجموعة من الملاحظات والانتقادات، بناء على المراجع الدستورية، ومنطلقات المواثيق والعهود الدولية، عارجا تقريره إلى الإحالة على عدة اتفاقيات إفريقية وأوروبية وأسيوية. مذكرا في نفس الوقت ببعض التجارب الدولية في شان نماذج مختلفة لمجالس الصحافة وتنظيماتها الذاتية.
وبينما تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان كان منصفا وعادلا، مؤسسا على مرجعيات وطنية وإقليمية ودولية، بادرت بشكل غريب اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة إلى إصدار بلاغ، تطعن فيه كل هذه الملاحظات والانتقادات التي أبداها المجلس حول مشروع هذا القانون. إذ نستغرب أيما استغراب لهذا التطاول والطعن في تقرير مؤسسة دستورية، يرأسها ويسيرها أطر حقوقية وأساتذة ودكاترة في القانون وقضاة ومحامون ومستشارون قضائيون، من طرف لجنة مؤقتة يسيرها بعض الأشخاص ليست لهم مؤهلات جامعية، ويتوفرون على صفة صحفي مهني بشرط تجديد البطاقة، وليس بشرط التوفر على الشواهد العليا والإجازة أو ما يعادلها.
والحال أن، ما جاء في تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، هو ذات المقتضيات التي تسري في بقاع العالم حول التمثيلية الديمقراطية في جميع الميادين المهنية والحزبية والنقابية والسياسية، وغيرها. وهي ذاتها التي تم اعتمادها في انتخابات المجلس الوطني للصحافة الفارط.
والحقيقة أن النقطة التي أثارت غضب اللجنة المؤقتة التي يرأسها العضوان السابقان للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، هي نقطة إجراء الانتخابات بنظام اللائحة. فهذان العضوان يرفضان نمط الاقتراع باللائحة، لأنهما يدركان جيدا أن مكانهما داخل لائحة الترشيحات لنقابتهم غير مرغوب فيه. ولاسيما وأن الرئيس الحالي للنقابة على النقيض منهما، يصر على إعمال الديمقراطية، والحفاظ على المكتسبات التي راكمتها مؤسستهم النقابية عبر تاريخها النضالي في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان. كما أنهما على يقين أن الطريق الوحيد لديهما للعودة مرة أخرى إلى 3 ملايير و200 مليون في السنة، المخصصة لتسيير التنظيم الذاتي، لا يمكن أن يتأتى لهما إلا عن طريق الانتخابات بالنظام الفردي.
ونسيا هذان العضوان الممثلان للجنة المؤقتة أنهما لم يعد مرغوب فيهما من طرف غالبية الصحافيين، سواء عن طريق الاقتراع الفردي أو باللائحة. لما فعلوه بالكفاءات الصحافية من انتقام عبر استغلال إجراءات صيغت بوازع الإقصاء، وحقوق أريد بها الباطل. حيث ذات الشروط التي تُمنح بها البطاقة المهنية لأشخاص، يتم بها حرمان أشخاص آخرين. ودعنا نقول أن الشروط التي يفرضونها على المصورين والصحافيين لا يشترطونها على أنفسهم. مثل الإدلاء للرأي المهني بشواهدهما الجامعية، أو ما يعادلها. فلهذه الأسباب يخشيان من انتخاب أي مجلس جديد بدونهما قد يفضح مستواهما التعليمي.
مما لا ريب فيه أن هذا الانتقاد اللادغ للمجلس الوطني لحقوق الإنسان من طرف اللجنة المؤقتة، يؤكد بشكل صريح، للرأي العام المهني والوطني، على أن هذه اللجنة هي التي وضعت مشروع هذا القانون. وإلا، ما الداعي للهجوم على رأي المجلس الوطني لحقوق الإنسان وانتقاد تقريره، ما دامت مهمتها وظيفية ومستقلة. تتمثل في تلقي المذكرات والمقترحات والمعطيات من الهيئات المهنية والمهنيين حول مشروع هذا القانون وتقديمها إلى الجهات المعنية والقطاع الوصي.
والواقع أن تنصيب اللجنة المؤقتة نفسها كطرف متضرر من هذا التقرير ينزع عنها الحيادية والمصداقية، ويؤكد تورطها في استغلال نفوذها لصياغة قانون مجلس الصحافة على مقاسها، بما يحفظ لها مصالحها ويضمن عودتها إلى مجلس 3 ملايير و200 مليون لتسيير التنظيم الذاتي للمهنة.
ويبدو أن أعضاء هذه اللجنة اختلط عليهم الأمر بين عضويتهم كلجنة مؤقتة تم تعيينها من طرف الحكومة للقيام بمهام وظيفية وإدارية، وبين عضويتهم داخل تنظيماتهم المهنية وهيئاتهم النقابية. مما يؤكد على أن هذه اللجنة لم تكن يوما محايدة ومسؤولة، حيث عملت على استغلال سلطتها ونفوذها للتأثير على مشروع هذا القانون. وبالتالي فإن أغلب الهيئات المهنية والتنظيمات النقابية، تطالب برفض كل القرارات الصادرة عن هذه اللجنة المؤقتة طيلة هذه السنتين، بما في ذلك البطاقات المهنية التي منحتها خلال فترة ولايتها، والاعتماد فقط، في الانتخابات المقبلة، على البطاقات المهنية لسنة 2023 وما قبلها، المسلمة من طرف مجلس وطني للصحافة منتخب ديمقراطيا، بحيادية واستقلالية ومسؤولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *