بقلم الاستاذ : حميد طولست
لم تعد الانتخابات في المغرب حدثًا سياسيًا يحمل وعودًا بالتغيير أو يعكس جدية في خدمة الصالح العام، بل غدت في نظر شريحة واسعة من المواطنين مسرحية متكررة تُدار وفق سيناريو واحد، بوجوه متبدلة وشعارات سريعة الذوبان. والنتيجة: فقدان متزايد للثقة في العملية الانتخابية وفي الأحزاب التي تنظمها، بعدما حولت السياسة إلى عبء على نفسها وعلى المجتمع.
القضية ليست في حادثة معزولة، بل في نماذج متكررة تفضح هشاشة المشهد السياسي، كما هو الحال مع التحاق الإعلامية مايسة بحزب التقدم والاشتراكية. في مفارقة صارخة تكمن في أنها رفعت قبل وقت قصير شعار القطيعة مع الوجوه القديمة، وهاجمت قيادة الحزب بعنف، قبل أن تعود لتعلن أن مبادئه هي الأقرب إلى قناعاتها. التحول السريع الذي لا يبدو وليد مراجعة فكرية عميقة أو انتقال إيديولوجي صادق، بقدر ما يترجم رغبة في استثمار منصة حزبية شيوعية كانت أو إشتراكية ، وحتى إسلاموية متطرفة ، لولوج البرلمان.
الأمر الذي يؤكد للمواطن أن السياسة في المغرب ليست التزامًا ولا مشروعًا جماعيًا، بل مجرد تبادل أدوار ومصالح شخصية. وأن خطابها قابل للتبديل ، وشعاراتها المرفوعة لا قيمة لها أمام البراغماتية المفرطة التي تبيح للمرشحين التنقل بين المواقف، وللأحزاب استقبال غير الحزبيين بالترحيب حتى وإن كانوا من خصوم الأمس ، حيث تتحول الخلافات السابقة ،في مشهد يكاد يرقى إلى الكوميديا السوداء، إلى تفاصيل منسية، ويُحتفى بالوافد الجديد باعتباره “قيمة مضافة” قادرة على جلب الأصوات.
السلوك ، الذي تضحي الأحزاب بما تبقى من مصداقيتها، وتوسع هوة العزوف الانتخابي الذي أضحى معطى ثابتًا. حسب آخر استطلاع رأي أنجزه المركز المغربي للمواطنة، صرّح حوالي 95% من المستجوبين بعدم ثقتهم في الأحزاب السياسية، مقابل 5,2% فقط عبروا عن ثقتهم بها. رقم كافٍ ليؤكد أن أزمة الثقة اليوم في مستوى غير مسبوق.
صحيح أن من حق أي مواطن أن يترشح للانتخابات مع الحزب الذي يختاره، لكن الأمانة السياسية تقتضي أن يكون ذلك منسجمًا مع مسار فكري أو قناعات راسخة، لا مجرد قفز من منصة إلى أخرى بحثًا عن مقعد برلماني.
ما يجعل الرهان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو إعادة الاعتبار لمفهوم النائب البرلماني: كرجل دولة قبل أن يكون رجل دعاية، صاحب تكوين وتجربة قبل أن يكون صاحب شهرة أو عدد متابعين. من دون ذلك، ستظل الديمقراطية في المغرب واجهة شكلية، وستبقى الثقة بين المواطن والمؤسسات عرضة لمزيد من التآكل.
ا